وخبرين : إنا رادوه إليك وجاعلوه . وبشارتين في ضمن الخبرين : وهما الرد والجعل من المرسلين ، حكى عن الأصمعي قال : سمعت أعرابية تنشد :
أستغفر اللّه لذنبي كله * قبّلت إنسانا بغير حله
مثل الغزال ناعما في دلّه * فانتصف الليل ولم أصله
فقلت : قاتلك اللّه ما أفصحك ! قالت أو يعد هذا فصاحة مع قوله تعالى :
( وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى )
الآية ؟ فجمع في آية واحدة بين أمرين ونهيين وخبرين وبشارتين .
ثم ذكر صدق وعده ومقدمات نجاته فقال :
( فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ )
أي فأخذه أهل فرعون أخذ اللقطة التي يعنى بها وتصان عن الضياع صبيحة الليل الذي ألقى فيه التابوت .
روى أن الموج أقبل به يرفعه مرة ويخفضه أخرى حتى أدخله بين الأشجار عند بيت فرعون ، فخرج جواري امرأته إلى الشط فوجدن التابوت فأدخلنه إليها وظنن أن فيه مالا ، فلما فتحنه وجدن فيه غلاما فوقعت عليها رحمته فأحبته .
ولما أخبرت فرعون به أراد أن يذبحه إذ قال إني أخاف أن يكون هذا من بني إسرائيل وأن يكون هلاكنا على يديه ، فلم تزل تكلمه حتى تركه لها .
ثم ذكر سبحانه أن العاقبة كانت ضد ما قصدت فقال :
( لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً )
أي لتكون عاقبة أمره كذلك إذ أراد اللّه هذا ، وهذا كما تقول لآخر تؤنبه على فعل كان قد فعله وهو يظن نفسه محسنا فيه وأدى الأمر إلى مساءة وضرّ قد لحقه : فعلت هذا لضر نفسك ، وهو قد كان حين الفعل راجيا نفعه غير أن العاقبة جاءت بخلاف ما كان يرجو ، وهذا جار على سنن العرب في كلامهم ، فيذكرون الحال بالمآل ، قال شاعرهم :
وللمنايا تربّى كل مرضعة * ودورنا لخراب الدهر نبنيها
وقال آخر :
فللموت تغذو الوالدات سخالها * كما لخراب الدهر تبنى المساكن