تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
ولم تشكروا هذه النعم ، عذاب يوم شديد الهول تذهل فيه المرضعة عما أرضعت ، وترى الناس فيه سكارى حيارى وما هم بكارى ، ولكن عذاب اللّه شديد . وبعد أن بلغ الغاية في إنذارهم وتخويفهم ، وترغيبهم وترهيبهم كانت خاتمة مطافه أن قابلوه بالاستخفاف وقلة الاكتراث والاستهانة بما سمعوا ، كما أشار إلى ذلك بقوله :
( قالُوا سَواءٌ عَلَيْنا أَ وَعَظْتَ أَمْ لَمْ تَكُنْ مِنَ الْواعِظِينَ )
أي هوّن عليك وأرح نفسك ، فكل هذا تعب ضائع ، وجهاد في غير عدوّ ، وضرب في حديد بارد ، فإنا لن نرجع عما نحن عليه ، وقد حكى سبحانه قولهم في سورة هود :
« وَما نَحْنُ بِتارِكِي آلِهَتِنا عَنْ قَوْلِكَ وَما نَحْنُ لَكَ بِمُؤْمِنِينَ »
. ثم ذكروا السبب في أن الوعظ وعدمه سواء بقولهم :
( إِنْ هذا إِلَّا خُلُقُ الْأَوَّلِينَ . وَما نَحْنُ بِمُعَذَّبِينَ )
أي ما هذا الدين الذي نحن عليه إلا دين الأولين من الآباء والأجداد ، فنحن سالكون سبيلهم ، نعيش كما عاشوا ونموت كما ماتوا ، ولا بعث ولا معاد ، ولا ثواب ولا عقاب ، ولا جنة ولا نار .
( فَكَذَّبُوهُ فَأَهْلَكْناهُمْ )
أي فاستمروا في تكذيبهم ومخلفة أمر رسوله ، فأملكناهم بريح صرصر عاتية : ( ريح عظيمة ذات برد شديد ) كما جاء في قوله :
« أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ »
وقوله :
« وَأَنَّهُ أَهْلَكَ عاداً الْأُولى »
:
( إِنَّ فِي ذلِكَ لَآيَةً )
أي إن في إهلاكنا عادا بتكذيبها رسولها - لعبرة لقومك المكذبين بك فيما أتيتهم به من عند ربك .
( وَما كانَ أَكْثَرُهُمْ مُؤْمِنِينَ )
أي وما كان أكثر من أهلكنا بالذين يؤمنون في سابق علمنا .
( وَإِنَّ رَبَّكَ لَهُوَ الْعَزِيزُ الرَّحِيمُ )
أي وإن ربك لهو الشديد في انتقامه من أعدائه ، الرحيم بأوليائه المؤمنين إن تابوا وأصلحوا .
تفسير المراغي — صفحة 88 | أحمد مصطفى المراغي