تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 61

مساهمون:

ص٦١
على إبطال ما أدعيه من المعجزات فألقوا ما معهم من الحبال والعصى وقد كانت مطليّة بالزئبق ، والعصىّ مجوّفة مملوءة به ، وقالوا بقوة فرعون وجبروته : إنا لنحن الغالبون ، فلما حميت حرارة الشمس اشتدت حركتها وصارت كأنها حيات تدبّ من كل جانب ، وسحروا أعين الناس واسترهبوهم وجاءوا بسحر عظيم . وجاء في سورة طه :
« فَإِذا حِبالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّها تَسْعى فَأَوْجَسَ فِي نَفْسِهِ خِيفَةً مُوسى قُلْنا لا تَخَفْ إِنَّكَ أَنْتَ الْأَعْلى »
. وقد استفرغوا الوسع وقاموا بما ظنوا أن فيه الكفاية بل ما فوقها وأن النصر قد كتب لهم .
( فَأَلْقى مُوسى عَصاهُ فَإِذا هِيَ تَلْقَفُ ما يَأْفِكُونَ )
أي وحين ألقى موسى عصاه ابتلعت ما كانوا يقلبون صورته وحاله الأولى بتمويههم وتخييل الحبال والعصى أنها حيات تسعى . وجاء في آية أخرى :
« فَوَقَعَ الْحَقُّ وَبَطَلَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ »
. وقد قامت الحجة لموسى عليهم واستبان لهم أن هذا ليس من متناول أيديهم كما أشار إلى ذلك سبحانه بقوله :
( فَأُلْقِيَ السَّحَرَةُ ساجِدِينَ )
أي فخروا سجد اللّه ، لأنهم قد علموا أن هذا الذي فعلوه هو منتهى التخييل السحرى ، فلما ابتلعت الحية ما زوّروه أيقنوا أن هذا من قدرة فوق ما عرفوا ، وما هو إلا من قوة آتية من السماء لتأييد موسى ، حينئذ خروا سجدا للّه القوى القاهر فوق عباده . وفي التعبير بالإلقاء إشارة إلى أنهم لم يتمالكوا أنفسهم من الدهش حتى كأنهم أخذوا فطرحوا . ثم فاهوا بما يجيش في صدورهم ، وتنطوى عليه جوانحهم .
( قالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعالَمِينَ . رَبِّ مُوسى وَهارُونَ )
أي قالوا : آمنا برب العالمين الذي دعا إليه موسى أول ما تكلم مع فرعون .