تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 134

مساهمون:

ص١٣٤

الإيضاح

( وَالَّذِينَ هاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ ماتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقاً حَسَناً وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ )
أي والذين فارقوا أوطانهم ، وتركوا عشائرهم ، في رضا اللّه وطاعته وجهاد أعدائه ، ثم قتلوا أو ماتوا وهم كذلك - ليثيبنّهم اللّه الثواب الجزيل جزاء ما ناضلوا عن دينه ، وأخلصوا في الذود عنه ، وإن اللّه ليعطى من يشاء بغير حساب ، ويرزق الخلق كافة بارّهم وفاجرهم . ثم بين هذا الرزق الحسن بقوله :
( لَيُدْخِلَنَّهُمْ مُدْخَلًا يَرْضَوْنَهُ )
أي ليدخلنّ المقتولين في سبيله والموتى مهاجرين في طاعة ربهم وذودا عن دينه - جنات النعيم ، ويكرمون فيها بما لا عين رأت ، ولا أذن سمعت ، ولا خطر على قلب بشر ، كما لا ينالهم فيها مكروه ولا أذى كما قال
« لا يَسْمَعُونَ فِيها لَغْواً وَلا تَأْثِيماً إِلَّا قِيلًا سَلاماً سَلاماً »
.
( وَإِنَّ اللَّهَ لَعَلِيمٌ حَلِيمٌ )
أي وإن اللّه الذي عمّت رحمته ، وعظمت نعمته - لعليم بمقاصدهم وأعمالهم وأعمال أعدائهم ، حليم فلم يعاجل هؤلاء المكذبين بالعقوبة جزاء تكذيبهم ومقاومتهم دعوة الدين . ( ذلك ) أي ذلك الرزق الحسن والمدخل الكريم لمن قتلوا في سبيل اللّه أو ماتوا ، ولهم أيضا النصر في الدنيا على أعدائهم وإلى ذلك أشار بقوله :
( وَمَنْ عاقَبَ بِمِثْلِ ما عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ )
أي وإن من جازى من المؤمنين بمثل ما عوقب به ظلما من المشركين ، فقاتلهم كما قاتلوه ثم بغى عليه باضطراره إلى الهجرة ومفارقة الوطن - لينصرنّه اللّه الذي لا يغالب ، ولينتقمنّ له من أعدائه ، ولينكّلنّ بهم ، ويمكننه منهم ، ويجعل كلمته العليا وكلمة الذين كفروا السفلى والخلاصة - إنه تعالى كما يدخلهم مدخلا كريما ، يعدهم بالنصر على أعدائهم إذا هم قاتلوهم وبغوا عليهم وأخرجوهم من ديارهم .