تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 129

مساهمون:

ص١٢٩
( فَيَنْسَخُ اللَّهُ ما يُلْقِي الشَّيْطانُ ثُمَّ يُحْكِمُ اللَّهُ آياتِهِ )
أي فيزيل سبحانه تلك الخرافات التي علقت ببعض النفوس ، بأن يقيّض للدين من يدافع عنه ويدفع الشبهات ، ثم يجعل آياته محكمة مثبتة لا تقبل الرد بحال . وخلاصة ذلك - إن اللّه حين أنزل القرآن وقرأه الرسول صلى اللّه عليه وسلم قال المشركون فيه ما قالوا ، ثم لما استبان الحق وجاءت غزوة بدر ونصر اللّه المسلمين الذين بشرهم كتابه بالنصر على أعدائهم :
« وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ »
استتب لهم الأمر ودخل أعداؤهم في دينهم أفواجا
« وَجَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَكَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا »
. وما مثل هذا إلا مثل النباتات الطّفيلية التي تنبت في الأرض بجانب ما يزرع فيها من حنطة وفول وغيرهما مما يحتاج إليه الناس ، ولا تزال تتغذى من الأرض وتأخذ غذاء النبات النافع ، فلا يهدأ للزارع بال حتى يزيلها ويوفّ غذاءها للنبات الذي هو في أشد الحاجة إليه . وما أشبه الليلة بالبارحة ، فإنك الآن لترى أهل أوروبا يرسلون الجيوش من القساوسة التي تفتح المدارس في بلاد الشرق ويقولون للمسلمين : إن دينهم محشو بالخرافات والأكاذيب ويشككون فيه من تعلموا في تلك المدارس ، ويصدق بعض غوغائهم تلك الأباطيل ، حتى لقد قالوا إن هذا الدين لا يعيش في ظل العلم ، ولا يقبل الأفكار والآراء الراقية ، وهو والعلم عدوان لا يجتمعان ، ومما جعل لهم بعض المعذرة فيما يقولون ، حال المسلمين من الخمول وسوء الأحوال ، وقبيح المعتقدات والأعمال مما جعلهم مضغة في أفواه الأمم المتمدينة :
« كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْواهِهِمْ »
. وإن اللّه لينسخ تلك الوساوس ، ويزيل هذه الأوهام ، فقد تصدى كثير من ذوى المعرفة لدحض تلك المفتريات ، فقام العالم الحكيم محمد عبده ، وألف كتابه [ الإسلام والنصرانية ] ودفع كثيرا من مطاعن أولئك المبشرين ، وقام بعده كثير من أهل الفقه بالدين ، فاحتذوا حذوه ، وواصلوا الليل بالنهار في دحض تلك الشبه ، وإن اللّه ناصر دينه ولو كره الكافرون .