تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 95

مساهمون:

ص٩٥
( ما أَنْزَلْنا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقى )
أي ما أنزلنا عليك القرآن لتتعب وتغلو في مكابدة الشدائد حين تحاور أولئك القوم الطغاة ، وتقاول أولئك العتاة ، وتفرط في الأسى على كفرهم ، وتتحسر على عدم إيمانهم ، بل أنزلناه عليك لتبلّغ وتذكّر وقد فعلت ، فلا عليك إن لم يؤمنوا بعد هذا . ونحو الآية قوله :
« فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً »
. وقصارى ذلك - إنا أنزلناه عليك لتذكر به ، فمن آمن وأصلح فلنفسه ، ومن كفر فلا يحزنك كفره ، إن عليك إلا البلاغ ، ولست عليهم بمسيطر . وفي هذا تسلية له صلّى اللّه عليه وسلّم على ما كان يعتريه من التعب والنّصب حين كان يدعو أولئك القوم ذوى اللدد والخصومة ، ولا عجب فالكلام صنعتهم ، وبه يتفاخرون ، وعليه يعتمدون ، إذ يقرعون الحجة بالحجة ، والبرهان بالبرهان ، وهو لديهم أمضى من السّنان .
( إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشى )
أي ما أنزلناه عليك لشقائك ، ولكن أنزلناه تذكيرا لمن يخشى اللّه تعالى ويتأثر بالإنذار لرقة قلبه ، وحسن استعداده ، وقد كان عليه السلام يعظهم به بتلاوته وتفسير ما جاء به من مقاصد وأغراض ومصالح لهم في دنياهم وآخرتهم . وخص الخاشعين بالذكر مع أن القرآن تذكرة للناس كلهم ، من قبل أن غيرهم كأنه لا وجود له لعدم انتفاعه به . وخلاصة ذلك - حسبك ما حمّلته من متاعب التبليغ والتبشير والإنذار ، ولا تنهك بدنك بحملهم على قبول الدعوة والاستجابة لأمرك ، فإن ذلك من شأننا لا من شأنك ، وبيدنا لا بيدك .
( تَنْزِيلًا مِمَّنْ خَلَقَ الْأَرْضَ وَالسَّماواتِ الْعُلى )
أي نزّل عليك تنزيلا من ربك الذي خلق الأرض والسماوات العلى ، والمراد بهما ما في جهة السفل والعلو ، ويستتبع ذلك كل ما يتعلق بهما .