تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 37

مساهمون:

ص٣٧
يذلّ ويخضع لهما ، ثم ختمها بالدعاء لهما والترحم عليهما ، وهذه الخمسة الأشياء جعلها سبحانه من رحمته بهما ، مقرونة بوحدانيته ، وعدم الشرك به . ولما كان بر الوالدين عسيرا حذّر من التهاون فيه فقال :
( رَبُّكُمْ أَعْلَمُ بِما فِي نُفُوسِكُمْ إِنْ تَكُونُوا صالِحِينَ فَإِنَّهُ كانَ لِلْأَوَّابِينَ غَفُوراً )
أي ربكم أيها الناس أعلم منكم بما في نفوسكم ، من تعظيمكم أمر آبائكم وأمهاتكم والبر بهم ، ومن الاستخفاف بحقوقهم والعقوق بهم ، وهو مجازيكم على حسن ذلك وسيئه ، فاحذروا أن تضمروا لهم سوءا ، وتعقدوا لهم في نفوسكم عقوقا ، فإن أنتم أصلحتم نياتكم فيهم ، وأطعتم ربكم فيما أمركم من البر بهم ، والقيام بحقوقهم عليكم ، بعد هفوة كانت منكم أو زلة في واجب لهم عليكم ، فإنه تعالى يغفر لكم ما فرط منكم ، فهو غفار لمن يتوب من ذنبه ، ويرجع من معصيته إلى طاعته ، ويعمل بما يحبه ويرضاه . وفي هذا وعد لمن أضمر البر بهم ، ووعيد لمن تهاون بحقوقهم ، وعمل على عقوقهم . وبعد أن أمر بالبر بالوالدين أمر بالبر بأصناف ثلاثة أخرى فقال :
( وَآتِ ذَا الْقُرْبى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ )
أي وأعط أيها المكلّف القريب منك حقه ، من صلة الرحم والمودة ، والزيارة وحسن العشرة ، وإن كان محتاجا إلى النفقة فأنفق عليه ما يسد حاجته . والمسكين ذا الحاجة . وابن السبيل وهو المسافر لغرض ديني ، فيجب إعانته ومساعدته على سفره حتى يصل إلى مقصده . ولما رغب سبحانه في البذل بيّن الطريق التي تتبع في ذلك فقال :
( وَلا تُبَذِّرْ تَبْذِيراً )
أي ولا تفرّق أيها الإنسان ما أعطاك اللّه من مال في معصيته تفريقا ، بإعطائه من لا يستحقه . ونحو الآية قوله
« وَالَّذِينَ إِذا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكانَ بَيْنَ ذلِكَ قَواماً »
. قال عثمان بن الأسود : كنت أطوف المساجد مع مجاهد حول الكعبة فرفع رأسه
تفسير المراغي — صفحة 37 | أحمد مصطفى المراغي