تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 39

مساهمون:

ص٣٩
جحودا لا يشكره عليها ، بل يكفرها بترك طاعته ، وركوبه معصيته ، وهكذا إخوانه المبذرون أموالهم في معاصي اللّه ، لا يشكرون اللّه على نعمه عليهم ، بل يخالفون أمره ، ولا يستنون سنته ، ويتركون الشكران عليها ويتلقونها بالكفران . قال الكرخي : وكذلك من رزقه اللّه جاها أو مالا ، فصرفه إلى غير مرضاة اللّه كان كفورا لنعمة اللّه ، لأنه موافق للشيطان في الصفة والفعل اه . وفي ذكر وصف الشيطان بالكفران دون ذكر سائر أوصافه ، بيان لأن المبذر لما صرف نعم اللّه عليه في غير موضعها فقد كفر بها ولم يشكرها ، كما أن الشيطان كفر بهذه النعم . وقد كان من عادة العرب أن يجمعوا أموالهم من السلب والنهب والغارة ثم ينفقونها في التفاخر وحب الشهرة . وكان المشركون من قريش ينفقون أموالهم ليصدّوا الناس عن الإسلام وتوهين أهله وإعانة أعدائه ، فجاءت الآية تبين قبح أعمالهم .
( وَإِمَّا تُعْرِضَنَّ عَنْهُمُ ابْتِغاءَ رَحْمَةٍ مِنْ رَبِّكَ تَرْجُوها فَقُلْ لَهُمْ قَوْلًا مَيْسُوراً )
أي وإن أعرضت عن ذوى القربى والمسكين وابن السبيل وأنت تستحى أن تردّ عليهم ، انتظار فرج من اللّه ترجو أن يأتيك ، ورزق يفيض عليك ، فقل لهم قولا لينا جميلا ، وعدهم وعدا تطيب به قلوبهم ، قال الحسن : أمر أن يقول لهم : نعم وكرامة ، وليس عندنا اليوم شئ ، فإن يأتنا نعرف حقكم . وفي هذا تأديب من اللّه لعباده إذا سألهم سائل ما ليس عندهم كيف يقولون وبم يردّون ؟ . ولقد أحسن من قال :
إلا يكن ورق يوما أجود به * للسائلين فإني ليّن العود
لا يعدم السائلون الخير من خلقي * إما نوال وإما حسن مردود
ثم بين سبحانه الطريق المثلى في إنفاق المال فقال :
( وَلا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلى عُنُقِكَ وَلا تَبْسُطْها كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُوماً مَحْسُوراً )