ولما بين سبحانه وتعالى إعراضهم ذكر علة ذلك فقال :
( وَما مَنَعَ النَّاسَ أَنْ يُؤْمِنُوا إِذْ جاءَهُمُ الْهُدى وَيَسْتَغْفِرُوا رَبَّهُمْ إِلَّا أَنْ تَأْتِيَهُمْ سُنَّةُ الْأَوَّلِينَ أَوْ يَأْتِيَهُمُ الْعَذابُ قُبُلًا )
أي وما منع هؤلاء المشركين من أن يؤمنوا باللّه ، حين جاءتهم البينات الواضحة ، والدلالات الظاهرة ، وعلموا صحة ما تدعوهم إليه ، وأن يستغفروا ربهم بالتوبة عما فرط منهم من الذنوب - إلا تعنتهم وعنادهم الذي جعلهم يطلبون أحد أمرين :
( 1 ) إما عذاب الاستئصال بنحو قولهم
« اللَّهُمَّ إِنْ كانَ هذا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنا حِجارَةً مِنَ السَّماءِ أَوِ ائْتِنا بِعَذابٍ أَلِيمٍ »
( 2 ) وإما أن تأتيهم بأنواع من العذاب والبلاء يتلو بعضها بعضا حين وجودهم في الدنيا كقولهم
« يا أَيُّهَا الَّذِي نُزِّلَ عَلَيْهِ الذِّكْرُ إِنَّكَ لَمَجْنُونٌ . لَوْ ما تَأْتِينا بِالْمَلائِكَةِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ »
. وقولهم
« ائْتِنا بِعَذابِ اللَّهِ إِنْ كُنْتَ مِنَ الصَّادِقِينَ »
.
ولما كان مجىء ذلك بيد اللّه ، وأمره مفوض إليه ، لا إلى الرسول نبه إلى ذلك بقوله :
( وَما نُرْسِلُ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ )
أي وما نرسل رسلنا إلا ليبشروا أهل الإيمان والتصديق باللّه ورسله بجزيل ثوابه في الآخرة ، وينذروا أهل الكفر به وتكذيب رسله بعظيم عقابه وأليم عذابه ، ولم نرسلهم ليقترح عليهم الظالمون من أممهم الآيات بعد ظهور المعجزات ، ويطلبوا منهم ما لا قبل لهم به .
ثم ذكر أن من شأن المشركين كثرة الجدل للرسول صلى اللّه عليه وسلّم فقال :
( وَيُجادِلُ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالْباطِلِ لِيُدْحِضُوا بِهِ الْحَقَّ )
أي ويجادل أولئك المشركون بالباطل كقولهم للنبي صلى اللّه عليه وسلّم : أخبرنا عن فتية ذهبوا أول الدهر ، ما شأنهم ؟
وعن الرجل الذي بلغ مشارق الأرض ومغاربها ، وعن الروح ، وما أشبه ذلك مما يقصد منه التعنت وإزالة الحق الذي جاء به الرسل عليهم ، لا كشف حقيقة تفيد في دين أو دنيا .