تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
صلى اللّه عليه وسلّم طرقه وفاطمة ليلا فقال ( ألا تصلّيان ) فقلت : يا رسول اللّه إنما أنفسنا بيد اللّه ، فإذا شاء أن يبعثنا بعثنا ، فانصرف حين قلت ذلك ، ولم يرجع إلىّ شيئا ، ثم سمعته وهو مولّ يضرب فخذه ويقول
« وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا »
.

الإيضاح

( وَلَقَدْ صَرَّفْنا لِلنَّاسِ فِي هذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ )
أي ولقد وضّحنا للناس كل ما هم في حاجة إليه من أمور دينهم ودنياهم ، ليتذكروا فينيبوا ويعتبروا ويزدجروا عماهم عليه مقيمون من الشرك باللّه وعبادة الأوثان ، لكنهم لم يقبلوا ذلك ، ولم يرعووا عن غيهم وعنادهم ، واستكبارهم وعتوهم . ثم بين سبب هذا العتو وتلك المماراة فقال :
( وَكانَ الْإِنْسانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلًا )
أي وكان الإنسان بمقتضى جبلّته أكثر شئ مراء وخصومة ، لا ينيب إلى حق ، ولا يزدجر لموعظة ، والمراد بذلك خصومة الأمم لأنبيائهم وردهم عليهم ما جاءوا به ، كما حكى اللّه عنهم من قولهم
« ما هذا إِلَّا بَشَرٌ مِثْلُكُمْ يَأْكُلُ مِمَّا تَأْكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ »
وقولهم
« يُرِيدُ أَنْ يَتَفَضَّلَ عَلَيْكُمْ »
وشديد تعنتهم كما حكى عنهم بنحو قولهم
« وَلَوْ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ باباً مِنَ السَّماءِ فَظَلُّوا فِيهِ يَعْرُجُونَ . لَقالُوا إِنَّما سُكِّرَتْ أَبْصارُنا بَلْ نَحْنُ قَوْمٌ مَسْحُورُونَ »
. وخلاصة ذلك - إن جدل الإنسان أكثر من جدل كل مجادل ، لما أوتيه من سعة الحيلة ، وقوة المعارضة ، واختلاف النزعات والأهواء ، وقوة العزيمة إلى غير حد ؛ فلو اتجه إلى سبل الخير ، وتاقت نفسه إلى سلوك طريقه ، ارتقى إلى حظيرة الملائكة ، ولو نزعت نفسه إلى اتباع وساوس الشيطان ، انحط إلى الدرك الأسفل ولحق بأنواع الحيوان ، يفعل ما يشاء ، غير مقيد بوازع من الدين ، ولا زمام من العقل وصادق العريمة .
تفسير المراغي — صفحة 166 | أحمد مصطفى المراغي