تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 162

مساهمون:

ص١٦٢
ثم بين السبب في عصيانه ومخالفته للأمر فقال :
( كانَ مِنَ الْجِنِّ )
أي إن الذي منعه من السجود أنه كان جنيا واحدا بين أظهر الألوف من الملائكة ، مغمورا بينهم ، متصفا بصفاتهم ، بدليل أنه قال :
« أَنَا خَيْرٌ مِنْهُ خَلَقْتَنِي مِنْ نارٍ وَخَلَقْتَهُ مِنْ طِينٍ » *
ولأنه تعالى أثبت له في هذه الآية ذرية ونسلا والملائكة لا ينسلون ، ولأن الملائكة لا يستكبرون وهو قد استكبر . ويرى قوم أنه كان من الملائكة بدليل أن خطاب السجود كان معهم ، ولأن وصف الملائكة بأنهم لا يعصون اللّه ما أمرهم ، دليل على أنه يتصور منهم العصيان ، ولولا ذلك ما مدحوا به ، لكن طاعتهم طبع ، وعصيانهم تكلف ، وطاعة البشر تكلف ، ومتابعة الهوى منهم طبع ، ولأنه تعالى ذكر من هاروت وماروت ما ذكر ، وهما ملكان . على أنه لا دليل على أن هناك فروقا جوهرية بين الملائكة والجن ، بها يمتاز أحدهما من الآخر ، بل هي فروق في الصفات فحسب ، والجميع من عالم الغيب لا نعلم حقيقتهم ولا نضيف إليها شيئا إلا إذا ورد به نص عن المعصوم .
( فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ )
أي فصار فاسقا كافرا بسبب أمر اللّه للملائكة المعدود هو في عدادهم ، إذ لولا الأمر ما تحقق إباء . وفي الآية إيماء إلى أن فسقه قد نتج عن كونه من الجن ، إذ أن من شأنهم التمرد والعصيان لكدورة مادتهم ، وخباثة ذاتهم
( وَالَّذِي خَبُثَ لا يَخْرُجُ إِلَّا نَكِداً )
وإن كان منهم من أطاع وآمن . ثم حذر سبحانه من اتباعه بعد أن استبان من حاله ما استبان فقال :
( أَ فَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِياءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ ؟ )
أي وبعد العلم بما صدر منه من القبائح لا ينبغي لكم أن تتخذوه وأولاده وأعوانه أولياء لكم من دونى تطيعونهم بدل طاعتي وهم لكم أعداء . وجملة المعنى - كيف تصنعون هذا الصنيع وتستبدلون بمن خلقكم وأنعم عليكم