أصحاب الكهف ؛ فإذا وقف علماء الأديان الأخرى لدى أمثالها دهشين حائرين ، فأنا أدعوك وأمتك إلى ما هو أعظم منها ؛ وهو النظر في الكون وعجائبه ، من خلق السماوات والأرض ، واختلاف الليل والنهار ، وتسخير الشمس والقمر والكواكب ، إلى نحو أولئك من الآيات الدالة على قدرة اللّه ، وأنه يفعل ما يشاء لا معقّب لحكمه .
أما القصص وغرائبها فلا تكفى للوصول إلى أبواب الخير والسعادة التي يطمح إليها الإنسان ، ويجعلها مثله العليا ، ليفوز بخيرى الدنيا والآخرة ، فابحث عما نقش في صحائف الأكوان ، لا في صحائف الكهوف والغيران .
قال الزجاج : أعلم اللّه سبحانه أن قصة أصحاب الكهف ليست بعجيبة من آيات اللّه ، لأن خلق السماوات والأرض وما بينهما أعجب من قصتهم .
( إِذْ أَوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ فَقالُوا رَبَّنا آتِنا مِنْ لَدُنْكَ رَحْمَةً وَهَيِّئْ لَنا مِنْ أَمْرِنا رَشَداً )
أي اذكر أيها الرسول حين أوى أولئك الفتية إلى الكهف هربا بدينهم من أن يفتنهم عباد الأصنام والأوثان ، وقالوا إذ ذاك : ربنا يسر لنا بما نبتغي من رضاك وطاعتك رشدا من أمرنا ، وسدادا إلى العمل الذي نحب ، وارزقنا المغفرة والأمن من الأعداء .
( فَضَرَبْنا عَلَى آذانِهِمْ فِي الْكَهْفِ سِنِينَ عَدَداً )
أي فضربنا على آذانهم حجابا يمنعهم السماع ، وأنمناهم نوما لا ينبههم فيه مختلف الأصوات في الكهف سنين كثيرة معدودة .
( ثُمَّ بَعَثْناهُمْ لِنَعْلَمَ أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى لِما لَبِثُوا أَمَداً )
أي ثم أيقظناهم من رقدتهم لنعلم أي الطائفتين المتنازعتين في مدة لبثهم ، أضبط في الإحصاء والعد لمدة هذا اللبث في الكهف .
وخلاصة ذلك - إنا بعثناهم لنعاملهم معاملة من يختبر حالهم ، لنرى أيهم أحصى لما لبعثوا أمدا ، فيظهر لهم عجزهم ، ويفوّضوا ذلك إلى العليم الخبير ، ويتعرّفوا ما صنع اللّه