تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 83

مساهمون:

ص٨٣
العودة إلى حياة أخرى غير ممكنة ولا معقولة - ذاك أن الجسم إذا تفرق وذهبت أجزاؤه كل مذهب امتنع أن يعود بعينه ليحاسب ويعاقب ، فرد اللّه عليهم ما قالوا بأن هذا ممكن ، وقد وعد عليه وعدا حقا ، وأنه فعل ذلك ليميز الخبيث من الطيب والعاصي من المطيع ، وأيضا فإيجاده تعالى للأشياء لا يتوقف على سبق مادة ولا آلة ، بل يقع ذلك بمحض قدرته ومشيئته ، وليس لقدرته دافع ولا مانع . أخرج ابن جرير وابن المنذر وابن أبي حاتم عن أبي العالية قال : كان لرجل من المسلمين على رجل من المشركين دين فأتاه يتقاضاه فكان فيما تكلم به ، والذي أرجوه بعد الموت إنه لكذا وكذا ، فقال له المشرك : إنك لتزعم أنك تبعث من بعد الموت ، وأقسم جهد يمينه لا يبعث اللّه من يموت ، فأنزل اللّه
( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ )
الآية . و أخرج هؤلاء عن أبي هريرة قال : « قال اللّه : سبّنى ابن آدم ولم يكن ينبغي له أن يسبني ، وكذّبنى ولم يكن ينبغي له أن يكذبني ، فأما تكذيبه إياي فقال
( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ )
وقلت :
( بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا )
وأما سبه إياي فقال :
( إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ )
وقلت :
( هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ . اللَّهُ الصَّمَدُ . لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ . وَلَمْ يَكُنْ لَهُ كُفُواً أَحَدٌ ) »
.

الإيضاح

( وَأَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ )
أي إنهم اجتهدوا في الحلف ، وأغلظوا في الأيمان ، أنه لا يقع بعث بعد الموت ، وهذا استبعاد منهم لحصوله ، من جراء أن الميت يفنى ويعدم ، والبعث إعادة له ، وإعادة المعدوم مستحيلة . وقد رد اللّه عليهم وكذبهم بقوله :
( بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَلكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ )
أي بلى سيبعثه اللّه بعد مماته ، وقد وعد بذلك وعدا حقا لا بد منه ، ولكن أكثر الناس لجهلهم بشؤون اللّه وصفات كماله من علم وقدرة وحكمة ونحوها ، لا يعلمون أن وعد اللّه لا بد من نفاذه