تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
وخلاصة هذا - إن تلك الجمادات الخسيسة التي جعلتموها شركاء للّه وعبدتموها ، هي أحقر الموجودات ، وأضعف المخلوقات ، فكيف تجعلونها شريكة للّه في التدبير والشفاعة في الأرض والسماوات ؟ . ثم أجاب عن شبهة لهم إذ قالوا : هب اللّه قضى على بعض عباده بالشر وعلى آخرين بالخير ، فمن يعرف هذه الأسرار التي لا يعلمها إلا هو ؟ فقال :
( يُنَزِّلُ الْمَلائِكَةَ بِالرُّوحِ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ أَنْ أَنْذِرُوا أَنَّهُ لا إِلهَ إِلَّا أَنَا فَاتَّقُونِ )
أي ينزل سبحانه ملائكته بالوحي إلى من يريد من عباده المصطفين الأخيار ، أن أنذروا عبادي أن إله الخلق واحد لا إله إلا هو ، وأنه لا تنبغى الألوهية إلا له ، ولا يصلح أن يعبد شئ سواه ، فاحذروه وأخلصوا له العبادة ، فإن في ذلك نجاتكم من الهلكة ، وقد جاء ذكر الروح بمعنى الوحي في قوله :
« وَكَذلِكَ أَوْحَيْنا إِلَيْكَ رُوحاً مِنْ أَمْرِنا ما كُنْتَ تَدْرِي مَا الْكِتابُ وَلَا الْإِيمانُ »
وفي قوله :
« يُلْقِي الرُّوحَ مِنْ أَمْرِهِ عَلى مَنْ يَشاءُ مِنْ عِبادِهِ »
. والمراد بقوله من أمره - بيان أن ذلك التنزيل والنزول لا يكونان إلا بأمره تعالى كما قال حكاية عن الملائكة : « وما نتنزّل إلّا بأمر ربّك » وقال :
لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَهُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ »
وقال :
« يَخافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ »
وقال :
« لا يَعْصُونَ اللَّهَ ما أَمَرَهُمْ وَيَفْعَلُونَ ما يُؤْمَرُونَ »
ففي كل ذلك دليل على أن الملائكة لا يقدمون على عمل إلا بأمره تعالى وإذنه . وفي الآية إيماء إلى أن الوحي من اللّه إلى أنبيائه لا يكون إلا بوساطة الملائكة ، ويؤيد ذلك قوله :
« وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ »
فقد بدأ بذكر الملائكة ، لأنهم هم الذين يتلقّون الوحي من اللّه بلا وساطة ، وذلك الوحي هو الكتب ، وهم يوصلون هذا الوحي إلى الأنبياء - لا جرم جاء الترتيب على هذا الوضع