قال الحافظ أبو يعلى في كتاب معرفة الصحابة عن علي بن عبد الملك بن عمير عن أبيه قال : « بلغ أكثم بن صيفي مخرج النبي صلى اللّه عليه وسلّم فأراد أن يأتيه فأتى قومه أن يدعوه وقالوا : أنت كبيرنا ، لم تكن لتخفّ إليه ، قال فليأته من يبلّغه عنى ويبلغني عنه ، فانتدب رجلان فأتيا النبي صلى اللّه عليه وسلّم فقالا : نحن رسل أكثم بن صيفي وهو يسألك من أنت وما أنت ؟ فقال النبي صلى اللّه عليه وسلم :
أما من أنا ؟ فأنا محمد بن عبد اللّه ، وأما ما أنا ؟ فأنا عبد اللّه ورسوله ، قال ثم تلا عليهم : « إن اللّه يأمر بالعدل والإحسان » الآية . قالوا ردّد علينا القول فردده عليهم حتى حفظوه ، فأتيا أكثم فقالا أبى أن يرفع نسبه ، فوجدناه زاكى النسب وسطا في مضر ، وقد رمى إلينا بكلمات قد سمعناها ، فلما سمعهن أكثم قال : إني أراه يأمر بمكارم الأخلاق ، وينهى عن ملائمها ، فكونوا في هذا الأمر رءوسا ، ولا تكونوا فيه أذنابا ، وكونوا فيه أوّلا ، ولا تكونوا فيه آخرا » .
وقال سعيد بن جبير عن قتادة في قوله
( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ )
الآية ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسونه إلا أمر اللّه به ، وليس من خلق سيئ كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى اللّه عنه وقدم فيه ، وإنما نهى عن سفاسف الأخلاق ومذامّها .
الإيضاح
( إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسانِ )
أي إن اللّه يأمر في هذا الكتاب الذي أنزله إليك أيها الرسول بالعدل والإنصاف ، ولا نصفة أجمل من الاعتراف بمن أنعم علينا بنعمه ، والشكر له على إفضاله وحمده وهو أهل للحمد ، ومنع ذلك عمن ليس له بأهل ، فالأوثان والأصنام لا تستحق شيئا منه ، فمن الجهل عبادتها وحمدها