تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
ثم ضرب مثلا للمشركين الذين يعبدون الأصنام والمؤمنين الذين يعترفون بأن لا رب غيره ولا معبود سواه ، فقال :
( قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمى وَالْبَصِيرُ )
أي قل لهم مصوّرا سخيف آرائهم مفنّدا قبيح معتقداتهم : هل يستوى الأعمى الذي لا يبصر شيئا ولا يهتدى لمحجة يسلكها إلا بأن يهدى بدليل والبصير الذي يهدى الأعمى لسلوك الطريق ؟ لا شك أن الجواب أنهما غير متساويين ، فكذلك المؤمن الذي يبصر الحق فيتّبعه ، ويعرف الهدى فيسلكه ، لا يستوى وإياكم ؟ وأنتم لا تعرفون حقا ، ولا تبصرون رشدا . ثم ضرب مثلا للكفر والإيمان بقوله :
( أَمْ هَلْ تَسْتَوِي الظُّلُماتُ وَالنُّورُ )
أي بل هل تستوى الظلمات التي لا ترى فيها الطريق فتسلك ، والنور الذي يبصر به الأشياء ، ويجلو ضوؤه الظلام - لا شك أن الجواب عن ذلك أنهما لا يستويان ، فكذلك الكفر باللّه صاحبه منه في حيرة ، يضرب أبدا في غمرة لا يهتدى إلى حقيقة ولا يصل إلى صواب ، والإيمان باللّه صاحبه منه في ضياء ، فهو يعمل على علم بربه ومعرفة منه بأنه يثيبه على إحسانه ، ويعاقبه على إساءته ، ويرزقه من حيث لا يحتسب ، ويكلؤه بعنايته في كل وقت وحين ، فهو يفوّض أمره إليه إذا أظلمت الخطوب ، وتعقدت في نظره مدلهمّات الحوادث .
( أَمْ جَعَلُوا لِلَّهِ شُرَكاءَ خَلَقُوا كَخَلْقِهِ فَتَشابَهَ الْخَلْقُ عَلَيْهِمْ )
أي بل أخلق أوثانكم التي اتخذتموها معبودات من دون اللّه ، خلقا كخلقه ، فاشتبه عليكم أمرها فيما خلقت وخلق اللّه ، فجعلتموها له شركاء من أجل ذلك - أم إنما بكم الجهل والبعد عن الصواب ، إذ لا يخفى على من له مسكة من العقل ، أن عبادة ما لا يضر ولا ينفع ، من الجهل بحقيقة المعبود ، ومن يجب له التذلل والخضوع ، والإنابة والزلفى والإخبات إليه ، وإنما الواجب عبادة من يرجى نفعه ويخشى عقابه وضرّه ، وهو الذي يرزقه ويمونه آناء الليل وأطراف النهار . ثم ذكر فذلكة لما تقدم ، ونتيجة لما سبق من الأدلة والأمثال التي ضربت لها فقال :
تفسير المراغي — صفحة 86 | أحمد مصطفى المراغي