تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 65

مساهمون:

ص٦٥
وهكذا الموجودات الأرضية لها أسباب تعقبها مسببات بإذن الواحد الأحد ، فالزارع يحرث أرضه ويلقى فيها الحب ثم يسقيها ويضع فيها السّماد ويوالى سقيها حتى تؤتى أكلها ، فإذا فقدت حلقة من تلك السلسلة باء صاحب الزرع بالخسران فلم يحصل على شئ أو حصل على القليل التافه الذي لا يعدل التعب والنّصب الذي فعله . ثم أبان سبحانه أن هذا التدبير للأمور والتفصيل للآيات الدالين على القدرة الكاملة والحكمة الشاملة ، جاءا لحكمة اقتضتهما وهي الإيقان بالبعث لفضل القضاء ومجازاة كل عامل بما عمل : « يوم تبيضّ وجوه وتسودّ وجوه » فإما نعيم مقيم وإما عذاب أليم ، وإلى ذلك أشار بقوله :
( لَعَلَّكُمْ بِلِقاءِ رَبِّكُمْ تُوقِنُونَ )
أي رجاء أن تتحققوا أن من قدر على رفع السماوات بغير عمد ودبر الأمر بإحكام ونظام - قادر على البعث والنشور وإحياء الموتى من القبور لفصل القضاء ثم ثواب كل عامل على ما عمل ، إن خيرا فخير وإن شرا فشر ؛ فإما سعادة لا شقاء بعدها ، وإما نكال وعذاب تتبدل من هوله الجلود « كلّما نضجت جلودهم بدّلناهم جلودا غيرها » وخلاصة هذه العبرة - إنه تعالى كما قدر على إبقاء الأجرام الفلكية العظيمة من الشمس والقمر وسائر الكواكب في الجو بلا عمد ودبّر الأمور بغاية الإحكام والدقة ولم يشغله شأن عن شأن - ليس بالبعيد عليه أن يرد الأرواح إلى الأجساد ويعيد العالم إلى حياة أخرى حياة استقرار وبقاء لافناء بعدها ، وإذا أيقنتم بذلك ولّيتم معرضين عن عبادة الأصنام والأوثان ، وأخلصتم العبادة للواحد الديان ، وائتمرتم بوعده ووعيده ، وصدقتم برسله ، وبادرتم إلى اتباع أوامره وتركتم ما نهى عنه ، ففزتم بسعادة الدارين . وبعد أن ذكر سبحانه الدلائل السماوية على وحدانيته وكمال قدرته أردفها بالأدلة الأرضية فقال :