تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 53

مساهمون:

ص٥٣
هذه الأمة ، وأبرّها قلوبا ، وأعمقها علما ، وأقلها تكلفا ، اختارهم اللّه لصحبة نبيه ، ولإقامة دينه ، فاعرفوا لهم فضلهم ، واتبعوهم على إثرهم ، وتمسكوا بما استطعتم من أخلاقهم وسيرهم ، فإنهم كانوا على الصراط المستقيم . وقد كان من شبه منكري نبوة محمد صلى اللّه عليه وسلّم أن اللّه لو أراد إرسال رسول لبعث ملكا كما حكى عنهم سبحانه :
« لَوْ شاءَ رَبُّنا لَأَنْزَلَ مَلائِكَةً »
فرد سبحانه عليهم بقوله :
( وَما أَرْسَلْنا مِنْ قَبْلِكَ إِلَّا رِجالًا نُوحِي إِلَيْهِمْ مِنْ أَهْلِ الْقُرى )
فكيف عجبوا منك ولم يعجبوا ممن قبلك من الرسل . ونظير هذا قوله :
« وَما أَرْسَلْنا قَبْلَكَ مِنَ الْمُرْسَلِينَ إِلَّا إِنَّهُمْ لَيَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَيَمْشُونَ فِي الْأَسْواقِ »
وقوله :
« وَما جَعَلْناهُمْ جَسَداً لا يَأْكُلُونَ الطَّعامَ وَما كانُوا خالِدِينَ »
وقوله :
« قُلْ ما كُنْتُ بِدْعاً مِنَ الرُّسُلِ »
الآية . وهذه الشبهة ذكرت في كثير من السور كالأعراف وإبراهيم والنحل والكهف والأنبياء والشعراء . وقال الحافظ ابن كثير : يخبر تعالى أنه إنما أرسل رسله من الرجال لا من النساء ، وهذا قول الجمهور كما دل عليه سياق هذه الآية الكريمة ، فاللّه لم يوح إلى امرأة من بنات بني آدم وحي تشريع اه . وفي قوله :
( مِنْ أَهْلِ الْقُرى )
أي من أهل الأمصار دون البوادي إيماء إلى أن سائر البلدان تتبعهم إذا آمنوا ، ولأن أهل البادية أهل جفاء ، يرشد إلى ذلك قوله عليه السلام « من بدا جفا ، ومن اتبع الصيد غفل » . ثم أتبع ذلك بتأنيهم وتهديدهم على تكذيبهم بالرسول صلى اللّه عليه وسلّم فقال :
( أَ فَلَمْ يَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَيَنْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ ؟ )
أي أفلم يسر هؤلاء المشركون من كفار قريش ممن يكذبونك ويجحدون نبوتك وينكرون ما جئتهم به من توحيد اللّه وإخلاص العبادة له ، فينظروا فيما وطئوا من البلاد من أوقعنا بهم