تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 35

مساهمون:

ص٣٥
( إِنَّهُ مَنْ يَتَّقِ وَيَصْبِرْ فَإِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ )
أي إن الحق الذي نطقت به الشرائع وأرشدت إليه التجارب هو : من يتق اللّه فيما به أمر وعنه نهى ، ويصبر على ما أصابه من المحن وفتن الشهوات والأهواء ، فلا يستعجل الأقدار بشيء قبل أوانه ، فإن اللّه لا يضيع أجره في الدنيا ثم يؤتيه أجره في الآخرة . وفي الآية شهادة له من ربه بأنه من المحسنين المتقين اللّه ، وبأن من كان مطيعا لنفسه الأمارة بالسوء ومتبعا لنزغات الشيطان فإن عاقبته الخزي في الدنيا والنكال في الآخرة ، إلا من تاب وعمل صالحا ثم اهتدى .
( قالُوا تَاللَّهِ لَقَدْ آثَرَكَ اللَّهُ عَلَيْنا )
أي قال إخوة يوسف له : لقد فضلك اللّه علينا وآثرك بالعلم والحلم والفضل .
( وَإِنْ كُنَّا لَخاطِئِينَ )
أي وما كنا في صنيعنا بك وتفريقنا بينك وبين أخيك إلا متعمدين للخطيئة ، ولا عذر لنا فيها عند اللّه ولا عند الناس . وبعد أن قدّموا له المعذرة أجابهم بالصفح عما فعلوا .
( قالَ لا تَثْرِيبَ عَلَيْكُمُ الْيَوْمَ )
أي لا لوم ولا تعنيف عليكم في هذا اليوم الذي هو مظنّته ، ولكن لكم عندي الصفح والعفو . وهو إذا لم يثرّب أول لقائه واشتعال ناره ، فبعده أولى . وقال السيد المرتضى : إن كلمة ( اليوم ) موضوعة موضع الزمان كله كقوله :
اليوم يرحمنا من كان يغبطنا * واليوم نتبع من كانوا لنا تبعا
كأنه أريد بعد اليوم اه .
( يَغْفِرُ اللَّهُ لَكُمْ وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ )
أي يعفو اللّه لكم عن ذنبكم وظلمكم ويستره عليكم ، وهو أرحم الراحمين لمن أقلع عن ذنبه وأناب إلى طاعته بالتوبة من معصيته . وقد تمثل النبي صلى اللّه عليه وسلّم بالآية يوم فتح مكة حين طاف بالبيت وصلى ركعتين ، ثم أتى الكعبة فأخذ بعضادتي الباب وقال : « ما ذا تظنون أنى فاعل بكم ؟