تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 34

مساهمون:

ص٣٤
( قَدْ مَنَّ اللَّهُ عَلَيْنا )
فجمع بيننا بعد الفرقة ، وأعزنا بعد الذلة ، وآنسنا بعد الوحشة ، وخلّصنا مما ابتلينا به . وفيه إيماء إلى أنه لا وجه لطلبكم بنيامين ، لأنه أخي لا أخوكم .

تنبيه

فإن قيل لم لم يعرّف يوسف إخوته بنفسه في أول مرة ليبشروا أباهم به وبما هو عليه من حسن حال وبسطة جاه فيكون في ذلك السرور كل السرور له ؟ فالجواب عن ذلك ما أجاب به ابن القيّم في كتابه [ الإغاثة الكبرى ] قال رحمه اللّه : لو عرّفهم بنفسه في أول مرة لم يقع الاجتماع بهم وبأبيه ذلك الموقع العظيم ولم يحلّ ذلك المحلّ وهذه عادة اللّه في الغايات العظيمة الحميدة ، إذا أراد أن يوصّل عبده إليها هيأ له أسبابا . من المحن والبلايا والمشاقّ ، فيكون وصوله إلى تلك الغايات بعدها كوصول أهل الجنة إليها بعد الموت وأهوال البرزخ والبعث والنشور والموقف والحساب والصراط ومقاساة تلك الأهوال والشدائد ، وكما أدخل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلّم إلى مكة ذلك المدخل العظيم بعد أن أخرجه الكفار ذلك المخرج ، ونصره ذلك النصر العزيز بعد أن قاسى مع أعداء اللّه ما قاساه . وكذلك ما فعل برسله كنوح وإبراهيم وموسى وهود وصالح وشعيب عليهم السلام . فهو سبحانه يوصّل إلى الغايات الحميدة بالأسباب التي تكرهها النفوس وتشق عليها كما قال
« كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ ، وَعَسى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئاً وَهُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ، وَعَسى أَنْ تُحِبُّوا شَيْئاً وَهُوَ شَرٌّ لَكُمْ ، وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لا تَعْلَمُونَ »
وربما كان مكروه النفوس إلى محبوبها سببا ما مثله سبب . وبالجملة فالغايات الحميدة في خبايا الأسباب المكروهة الشاقة ، كما أن الغايات المكروهة في خبايا الأسباب المشتهاة المستلذة ، وهذا من حين خلق اللّه سبحانه الجنة وحفها بالمكاره والنار وحفها بالشهوات اه .
تفسير المراغي — صفحة 34 | أحمد مصطفى المراغي