عليك في هذا القرآن ، لتتلوه على الناس ويتلوه المؤمنون آناء الليل وأطراف النهار إنذارا وتبليغا عنا .
( مِنْها قائِمٌ وَحَصِيدٌ )
أي من تلك القرى ما بقيت آثارها ماثلة كالزرع القائم في الأرض كقوم صالح ، ومنها ما عفت ودرست آثارها كالزرع المحصود الذي لم يبق منه بقية في الأرض كقرى قوم لوط .
( وَما ظَلَمْناهُمْ وَلكِنْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ )
أي وما كان إهلاكهم بغير جرم استحقوا به الهلاك ، ولكن ظلموا أنفسهم بشركهم وإفسادهم في الأرض وإصرارهم على ذلك حتى لم يبق فيهم استعداد لقبول الحق ، ولو بقوا زمانا ما ازدادوا إلا ظلما وفجورا وفسادا في الأرض كما قال نوح عليه السلام :
« إِنَّكَ إِنْ تَذَرْهُمْ يُضِلُّوا عِبادَكَ وَلا يَلِدُوا إِلَّا فاجِراً كَفَّاراً »
وقد بالغ رسلهم في وعظهم وإرشادهم فما زادهم ذلك إلا عتوّا واستكبارا ، وأنذروهم بالنّذر فما زادهم ذلك إلا إصرارا وعنادا ، ثقة منهم بأن آلهتهم تدفع عنهم كل مخوف .
وتبعد عنهم كل محذور ، جهلا منهم بما كانوا يعملون ، ومن ثم قال :
( فَما أَغْنَتْ عَنْهُمْ آلِهَتُهُمُ الَّتِي يَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ مِنْ شَيْءٍ لَمَّا جاءَ أَمْرُ رَبِّكَ )
أي فما نفعتهم ولا دفعت بأس اللّه عنهم آلهتهم التي كانوا يعبدونها من دون اللّه ويطلبون منها أن تدفع عنهم الضر بنفسها أو بشفاعتها عنده - لما جاء عذاب ربك تصديقا لما أنذرهم به رسله .
( وَما زادُوهُمْ غَيْرَ تَتْبِيبٍ )
يقال تبّبه تتبيبا : أهلكه ، وتبّ فلان وتبت يده : خسر أو هلك ، وتبّا لفلان : دعاء عليه بالهلاك ، أي وما زادوهم إلا هلاكا وتدميرا ، إذ أنهم باتكالهم عليهم ازدادوا كفرا وإصرارا على الظلم والفساد ، ظنا منهم أنهم ينتقمون لهم من الرسل كما حكى اللّه تعالى عن بعضهم قوله :
« إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَراكَ بَعْضُ آلِهَتِنا بِسُوءٍ »
.