الرسول إن كنتم في شك من ديني الذي أدعوكم إليه ولم يتبين لكم أنه الحق ، فاسمعوا وصفه ، واعرضوه على عقولكم ، وانظروا فيه ، لتعلموا أنه لا مدخل فيه للشك ، إني لا أعبد الحجارة التي تعبدونها من دون إلهكم وخالقكم ، بل أعبد اللّه الذي يقبض الخلق فيميتهم إذا شاء ، وينفعهم ويضرهم إذا أراد ، ومثل هذا هو الحقيق بأن يعبد وأن يخاف وأن يتّقى دون من لا يقدر على شئ من ذلك .
وفي ذلك تعريض لطيف وإيماء إلى أن مثل هذا الدين لا يشكّ فيه ، وإنما ينبغي أن تشكّوا فيما أنتم عليه من عبادة الأصنام التي لا تعقل ولا تضر ولا تنفع ، إذ عبادة الخالق لا يستنكرها ذو والفطرة السليمة ، أما عبادة الأصنام فيستنكرها كل ذي لبّ وعقل سليم .
وقد أمرت أن أكون من المؤمنين الذين وعدهم اللّه بالنجاة من عذابه ، وينصرهم على أعدائهم واستخلافهم في الأرض .
( وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً )
أي وأمرت أن أكون من المؤمنين ، وأمرت أن أقيم وجهي للدين القيم الذي لا عوج فيه حال كونى حنيفا أي مائلا عن غيره من الشرك والباطل ، وذلك بالتوجه إلى اللّه وحده في الدعاء وغيره بدون التفات إلى شئ سواه ونحو الآية قوله
« إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفاً وَما أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ »
.
فمن توجه قلبه إلى غيره في عبادة من العبادات ولا سيما مخّ العبادة وروحها وهو الدعاء فهو عابد له مشرك باللّه .
ثم نهى رسوله عن ضد ذلك فقال :
( وَلا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ )
أي ولا تكونن ممن يشرك في عبادة ربه الآلهة والأنداد كأرباب الديانات الوثنية الباطلة الذين يجعلون بينهم وبين اللّه حجابا من الوسطاء والأولياء والشفعاء يوجهون قلوبهم إليهم عند الشدة تصيبهم والحاجة تستعصى عليهم ، ليقضوا لهم حاجتهم إما بأنفسهم أو بشفاعتهم ووساطتهم عند ربهم ، فإن فعلت ذلك كنت من الهالكين .