تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢

المعنى الجملي

بعد أن ذكر سبحانه أحكام المشركين في إظهار البراءة من عهودهم ، وفي إظهار البراءة منهم في أنفسهم ، وفي وجوب مقاتلتهم وإبعادهم عن المسجد الحرام - قفّى على ذلك بحكم قتال أهل الكتاب وبيان الغاية منه ، وفي ذلك توطئة للكلام في غزوة تبوك مع الروم من أهل الكتاب والخروج إليها في زمن العسرة والقيظ ، وما يتعلق بها من فضيحة المنافقين وهتك حجب كفرهم وتمحيص المؤمنين ، وإن كان النبي صلى اللّه عليه وسلم لم يقاتل فيها الروم لما سيأتي بعد . روى ابن المنذر عن ابن شهاب قال : أنزلت في كفار قريش والعرب
( وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ )
ونزلت في أهل الكتاب
( قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ
- إلى قوله -
حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ )
فكان أول من أعطى الجزية أهل نجران قبل وفاته عليه الصلاة والسلام . روى ابن أبي شيبة وأبو الشيخ عن الحسن قال : « قاتل رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم أهل هذه الجزيرة من العرب على الإسلام لم يقبل منهم غيره ، وكان أفضل الجهاد ، وكان بعده جهاد على هذه الآية في شأن أهل الكتاب
( قاتِلُوا الَّذِينَ لا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ )
الآية ، وعلى الجملة فالقتال الواجب في الإسلام إنما شرع للدفاع عن الحق وأهله وحماية الدعوة ونشرها ، ومن ثم اشترط أن تقدم عليه الدعوة إلى الإسلام . والناظر إلى غزواته صلى اللّه عليه وسلم يرى أنها كلها كانت دفاعا عن الدعوة ، وكذلك كانت حروب الصحابة في الصدر الأول ، ثم كان القتال بعد ذلك ضرورة من ضرورات الملك والدولة ، ومع ذلك فقد كان الإسلام فيها مثال الرأفة والرحمة والعدل