تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 164

مساهمون:

ص١٦٤
وكان كفار اليهود يؤذون النبي صلى اللّه عليه وسلم حتى بتحريف السلام عليه بقولهم ( السام عليكم ) ، والسام الموت فيقول : ( وعليكم ) ثم تكرر نقضهم للعهد حتى كان من أمرهم ما تقدم ذكره ، وكان يعامل المنافقين باللطف واللين بناء على حكم الإسلام الظاهر ، فجرّأهم هذا على أذاه بنحو قولهم
( هُوَ أُذُنٌ )
فأمره اللّه في هذه الآية بالغلظة على الفريقين في جهاده التأديبى لهم ، لأن أمثالهم لا علاج له إلا هذا كما قال :
ووضع النّدى في موضع السيف بالعلى * مضرّ كوضع السيف في موضع الندى
وهو جهاد فيه مشقة عظيمة ، لأنه موقف وسط بين رحمته ولينه للمؤمنين المخلصين ، وشدته في قتاله لأعدائه المحاربين ، يجب فيه إقامة العدل واجتناب الظلم ، وأثر عن عمر أنه قال : « أذلّوهم ولا تظلموهم » . وفي هذه الغلظة تربية للمنافقين وعقوبة لهم يرجى أن تكون سببا في هداية من لم يطبع الكفر على قلبه وتحط به خطايا نفاقه ، فتقطيب وجهه صلى اللّه عليه وسلم في وجوههم تحقير لهم يتبعه فيه المؤمنون ، ومن ير أنه محتقر بين قومه وأبناء جنسه من الرئيس وغيره يضق صدره ، ويحاسب نفسه ويثب إلى رشده ويتب إلى ربه . وهذه السياسة الحكيمة كانت سبب توبة أكثر المنافقين وإسلام ألوف الألوف من الكافرين .
( وَمَأْواهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ )
أي لا مأوى لهم يلجئون إليه إلا دار العذاب التي لا يموت من أوى إليها ، ولا يحيا حياة طيبة ، وبئس المصير هي
« إِنَّها ساءَتْ مُسْتَقَرًّا وَمُقاماً »
. والخلاصة - إنهم قد اجتمع لهم عذابان : عذاب الدنيا بالجهاد والغلظة ، وعذاب الآخرة بأن تكون جهنم مأواهم . ثم ذكر سبحانه الجرائم الموجبة لجهادهم كالكفار ، وهي أنهم أظهروا الكفر بالقول وهموا بشرّ ما يغرى به من الفعل ، وهو الفتك برسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم ،