في مضجعه الذي كان يبيت فيه وأخبره بمكر القوم ، فلم يبت رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم في بيته تلك الليلة وأذن اللّه له عند ذلك في الخروج وأمره وصحبه بالهجرة . وافترض عليهم القتال فأنزل
« أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقاتَلُونَ »
الآيتين فكان أول ما أنزل في الحرب وأنزل بعد قدومه المدينة يذكره نعمته عليه .
( وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُوا )
الآيتين .
ولما قص اللّه مكرهم في ذات محمد قص علينا مكرهم في دين محمد فقال :
( وَإِذا تُتْلى عَلَيْهِمْ آياتُنا قالُوا قَدْ سَمِعْنا لَوْ نَشاءُ لَقُلْنا مِثْلَ هذا )
أي وإذا تتلى على هؤلاء الذين كفروا آيات كتاب اللّه الواضحة لمن شرح اللّه صدره لفهمه قالوا جهلا منهم وعنادا للحق وهم يعلمون أنهم كاذبون : لو نشاء لقلنا مثل هذا الذي تلى علينا ، وقد نسب هذا القول إلى النضر بن الحارث من بنى عبد الدار وكان يختلف إلى أرض فارس فيسمع أخبارهم عن رستم وإسفنديار وكبار العجم ، ويمر باليهود والنصارى فيسمع منهم التوراة والإنجيل .
ثم عللوا هذه الدعوة الكاذبة بما هو أصرح منها في الكذب فقالوا :
( إِنْ هذا إِلَّا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ )
أي إن أخبار القرآن عن الرسل وأقوامهم تشبه قصص أولئك الأمم ، فهم يستطيعون أن يأتوا بمثلها فما هي من خبر الغيب الدالّ على أنه وحي من اللّه .
وقد يكون النضر أول من قال هذه الكلمة فقلده فيها غيره ، ولكنهم لم يكونوا يعتقدون أنها أساطير مختلفة وأن محمدا هو الذي افتراها ، إذ لم يكونوا يتهمونه بالكذب كما قال تعالى :
« فَإِنَّهُمْ لا يُكَذِّبُونَكَ وَلكِنَّ الظَّالِمِينَ بِآياتِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ »
.
ونحو الآية قوله :
« وَقالُوا أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَأَصِيلًا »
وهم ما كانوا يعتقدون صدق هذه المقالة ، لأنهم يعلمون أنه أمي لا يتعلم شيئا ، بل قالوا ذلك ليصدّوا العرب عن القرآن وقد كذبهم اللّه فيه فما استطاعوا له إثباتا .