المعنى الجملي
لما حذر اللّه تعالى من الفتنة بالأموال والأولاد ، قفى على ذلك بطلب التقوى التي ثمرتها ترك الميل والهوى في محبة الأموال والأولاد .
الإيضاح
( يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقاناً )
أي إن تتقوا اللّه فتتبعوا أوامر دينه وتسيروا بمقتضى سننه في نظام خلقه يجعل لكم في نفوسكم ملكة من العلم تفرقون بها بين الحق والباطل ، وتصلون بين الضار والنافع ، وهذا النور في العلم الذي لا يصل إليه طالبه إلا بالتقوى هو الحكمة التي قال اللّه تعالى فيها
« وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْراً كَثِيراً ، وَما يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُوا الْأَلْبابِ »
.
واتقاء اللّه يتحقق بمعرفة سننه في الإنسان وحده أو فيه وهو في المجتمع الإنسانى كما ترشد إلى ذلك آيات الكتاب الحكيم في مواضع متفرقة منه ، ومن ثم كانت ثمرة التقوى حصول ملكة الفرقان التي بها يفرق صاحبها بين الأشياء التي تعرض له من علم وحكمة وعمل فيفصل فيها بين ما ينبغي فعله وما يجب تركه .
وعلى الجملة فالمتقى للّه يؤتيه اللّه فرقانا يميز به بين الرشد والغى ، ومن ثم كان الخلفاء والحكام من الصحابة والتابعين من أعدل حكام الأمم في الأرض ، حتى لقد قال بعض المؤرخين من الإفرنج ؛ ما عرف التاريخ فاتحا أعدل ولا أرحم من العرب .
( وَيُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ )
أي ويمح بسبب ذلك الفرقان وتأثيره ما كان من دنس الآثام في النفوس ، فتزول منها داعية العودة إليها ، ويغطيها فيسترها عليكم فلا يؤاخذكم بها ، واللّه الذي يفعل ذلك بكم له الفضل العظيم عليكم وعلى غيركم من خلقه .