تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 51

مساهمون:

ص٥١
ولا إلى معالجة ، ونواه علف لرواحلهم ، ويتخذ منه شراب لذيذ إذا نبذ في الماء زمنا قليلا - إلى ما في خوصه وليفه من الفوائد والمنافع . وبهذه الفوائد يفضل الكرم الذي هو أقرب الشجر منه تفكها وتغذية وشربا وأشبهه به شكلا ولونا في عنبه وزبيبه ومنافعه . والزرع وهو النبات الذي يكون بحرث الناس ، يشمل كل ما يزرع لكنه خص بما يأتي منه القوت كالقمح والشعير ؛ وقد ذكرت هذه الأنواع على طريق الترقي من الأدنى في التغذية واقتيات الناس إلى الأعلى والأعم ، فإن الحبوب هي التي عليها المعول في الاقتيات .
( وَالزَّيْتُونَ وَالرُّمَّانَ مُتَشابِهاً وَغَيْرَ مُتَشابِهٍ )
أي وأنشأ الزيتون والرمان متشابها في المنظر ، وغير متشابه في الطعم .
( كُلُوا مِنْ ثَمَرِهِ إِذا أَثْمَرَ )
أي كلوا من ثمر ذلك الذي ذكر إذا أثمر وإن لم يدرك ويينع . وخلاصة ما سلف - أنه سبحانه بعد أن أعلم عباده بأنه هو الذي أنشأ لهم ما في الأرض من الشجر والنبات الذي يستعملون منه أقواتهم - أعلمهم بأنه أباح ذلك كله لهم ، فليس لأحد غيره أن يحرم شيئا منه عليهم ، لأن التحريم حق للّه الخالق للعباد والأقوات جميعا ، فمن ادعاه لنفسه فقد جعل نفسه شريكا له تعالى ، كما أن من أذعن لتحريم غير اللّه فقد أشركه معه سبحانه وتعالى . والتحريم الذي لا يكون إلا للّه هو تحريم التشريع ، أما المنع من بعض هذا الثمر لسبب غير ذلك فلا شرك فيه ، فإذا منع الطيب بعض المرضى من أكل الثمر أو الخبز لأنه يضره يكون منعا شرعيا أو تحريما لا على معنى أن الطبيب هو الذي شرع ذلك ، بل اللّه هو الذي حرم كل ضارّ والطبيب هو الذي عرّف المريض ضرره . وكذلك منع السلطان من صيد بعض الطيور لمصلحة عامة كالحاجة إلى كثرته لحفظ بعض الزرع ، لأنه يأكل الحشرات المهلكة مثلا لا يكون تحريما ذاتيا بل تحريما