تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 144

مساهمون:

ص١٤٤
وما ورد من أن الدعاء وصلة الرحم يطيلان العمر ، فإنما ذلك بالنسبة للأجل التقديري أو الطبيعي الذي هو مظهر سنن اللّه في الأسباب والمسببات ، فإن الدعاء الذي منشؤه قوة الإيمان باللّه والرجاء في معونته وتوفيقه للمؤمن فيما يعجز عن أسبابه ، من أسباب طول العمر ، وكذلك صلة الرحم من أهم أسباب هناء العيش ، وهناؤه من أهم العوامل في إطالة العمر . كما دلت التجارب على أن الهموم والأكدار خصوصا ما كان منها داخليا كقطيعة الأرحام واليأس من روح اللّه ومعونته مما يضعف قوى النفس ويهرم الجسم قبل إبّان هرمه ، وقد عرف هذه الحقيقة ذلك الشاعر الحكيم حين قال :
والهمّ يخترم الجسيم نحافة * ويشيب ناصية الصبى ويهرم
ومثلها في ذلك قلة الغداء الذي يحتاج إليه البدن أو كثرته ، والإسراف في كل لذة ، والسكنى في الأمكنة التي لا يدخلها ضوء الشمس ولا يتخللها الهواء بالقدر الذي يقتل الجراثيم . والأمم العريقة في المدنية والحضارة والعالمة بالسنن الإلهية في الصحة والسقم ، والقوة والضعف ، تحصى دائما عدد المرضى والموتى وتضع لذلك نسبا حسابية تعرف بها متوسط الآجال في كل منها . وكذلك قد ثبت ثبوتا لا ريب فيه أن من أسباب قلة الوفيّات تحسين وسائل المعيشة والاعتدال فيها ، وتوقى الأمراض باجتناب أسبابها المعروفة قبل وقوعها ومعالجتها بعد حدوثها . وكل ما يقع فالعلم الإلهى قد سبق به وكتاب اللّه وسنة رسوله يؤيدان ذلك أتم التأييد . وخلاصة معنى الآية - إن لكل أمة أجلا لا يتأخرون عنه إذا جاء ، ولا يتقدمون عليه أيضا ، فيهلكوا قبل مجيئه . ونحو الآية قوله :
« ما تَسْبِقُ مِنْ أُمَّةٍ أَجَلَها وَما يَسْتَأْخِرُونَ » *
.