( فاطِرِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ )
أي إنه تعالى أوجدهما على غير مثال سابق ، وقد روى عن ابن عباس أنه قال : ما عرفت ما فاطر السماوات والأرض ؟ حتى أتاني أعرابيان يختصمان في بئر ، فقال أحدهما : أنا فطرتها أي ابتدعتها .
وقد كانت المادة التي خلقت منها السماوات والأرض كتلة واحدة دخانية ، ففتق رتقها وفصل منها أجرام السماوات والأرض ، وهذا ولا شك ضرب من الفطر والشق ، قال تعالى
« أَ وَلَمْ يَرَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ كانَتا رَتْقاً فَفَتَقْناهُما »
.
وفي ذلك تعريض بأن من فطر السماوات والأرض بمحض إرادته بدون تأثير مؤثر ولا شفاعة شافع ينبغي ألا يتوجّه إلى غيره بالدعاء ولا يستعان بسواه في كل ما وراء الأسباب .
وقد أكد هذا المعنى وزاده تثبيتا بقوله :
( وَهُوَ يُطْعِمُ وَلا يُطْعَمُ )
أي إنه يرزق الناس الطعام وليس هو بحاجة إلى من يرزقه ويطعمه ، لأنه منزه عن الحاجة إلى كل ما سواه ، أيا كان نوعها .
وفي هذا إيماء إلى أن من اتخذوا أولياء من دونه من البشر محتاجون إلى الطعام ولا حياة لهم بدونه ، وأن اللّه هو الذي خلق لهم الطعام فهم عاجزون عن خلقه ، وعاجزون عن البقاء بدونه فأحرى بهم ألا يتّخذوا أولياء مع الغنىّ الرّزاق الفعال لما يريد .
وإذا كان الإنكار توجه إلى البشر فأولى به أن يتوجه إلى الأصنام والأوثان لأنها أضعف من البشر إذ قد اتفق العقلاء على تفضيل الحيوان على الجماد والإنسان على جميع أنواع الحيوان .
( قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ )
أي قل لهم بعد أن استبانت لديكم الأدلة على وجوب عبادة اللّه وحده وعدم اتخاذ غيره وليا : إني أمرت من ربى الموصوف بجليل الصفات أن أكون أول من أسلم إليه وانقاد لديه من تلك الأمة التي بعثت فيها ، فلا أدعو إلى شئ إلا كنت أول مؤمن به سائر على نهجه .