تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
وقد كانت العرب تؤمن بأن اللّه خالق السماوات والأرض وأن كل ما فيهما ملك وعبيد له ، كما قال تعالى
« وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ » *
. والمقصود من السؤال التبكيت والتوبيخ .
( قُلْ لِلَّهِ ) *
هذا تقرير للجواب نيابة عنهم ، أو إلجاء لهم إلى الإقرار بأن الكل له سبحانه ولا خلاف بيني وبينكم في ذلك ولا تقدرون أن تضيفوا شيئا آخر إليه . وإتيان السائل بالجواب يحسن إذا كان ما يأتي به هو عين ما يعتقده المسؤول وما يجيب به إن أجاب ، وإنما يسبقه إليه ليبنى عليه شيئا من لوازمه مما يجهله المسؤول أو يغفل عنه أو ينكره لجهله أو غفلته عن كونه لازما لما يعرفه ويعتقده . ثم ذكر من صفاته ما يرعب في طاعته فقال :
( كَتَبَ عَلى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ )
أي إن اللّه الذي تقرون معي بأنه مالك السماوات والأرض قد أوجب على ذاته العلية الرحمة بخلقه ، إذ أفاض عليهم نعمه ظاهرة وباطنة ، ومن مقتضى هذه الرحمة أن يجمعكم إلى يوم القيامة ، ذلك اليوم الذي لا شك في مجيئه لوضوح أدلته وسطوع براهينه ، للحساب والجزاء على الأعمال ، إذ أنه وازع نفسي لا يتم تهذيب النفوس إلا به فهو يمنع الظلم وهضم الحقوق وإيذاء الناس وارتكاب الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، خوفا من هول ذلك اليوم الذي تذهل فيه كل مرضعة عما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها . ولما كان مقتضى الرحمة والفضل أعم وأسبق من مقتضى العدل كان جزاء الظالمين المسيئين على قدر استحقاقهم ، ومنهم من يعفو اللّه عنه ، فالجزاء على الإساءة قد ينقص منه بالعفو والمغفرة ولا يزاد فيه ، وإنما الزيادة في الجزاء على الإحسان :
« مَنْ جاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثالِها ، وَمَنْ جاءَ بِالسَّيِّئَةِ فَلا يُجْزى إِلَّا مِثْلَها »
. وبيان الدين لهذا النوع من الجزاء رحمة أيضا ، فما مثله إلى مثل الحكومة العادلة تبيّن للأمة ما تؤاخذ عليه من الأعمال الضارة وما تكافئ به من يصدق في خدمتها