تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 88

مساهمون:

ص٨٨
وبعد أن ذكر سبحانه تصرفه في الخلق دقيقه وجليله كما يشاء كما هو شأن الربوبية الكاملة ، ذكر أنه هو السميع العليم أي المحيط سمعه بكل ما من شأنه أن يسمع مهما يكن خفيا عن غيره ، فهو يسمع دبيب النملة في الليلة الظلماء ، والمحيط علمه بكل شئ
« يَعْلَمُ خائِنَةَ الْأَعْيُنِ وَما تُخْفِي الصُّدُورُ »
. والخلاصة - إنه تعالى لا تدق عن سمعه دعوة داع ، أو تعزب عن علمه حاجة محتاج ، حتى يخبره بها الأولياء ، أو يقنعه بها الشفعاء . وبعد هذا القول الذي أمر رسوله للتذكير بأنه المالك لكل شئ ، والمدبر لكل شئ إذ هو سميع لكل شئ ولا يعزب عن علمه شئ - أمره هنا بقول آخر لازم لما سبق ، وهو وجوب ولايته تعالى وجده والتوجه إليه دون سواه في كل ما هو فوق كسب البشر ، والاعتماد على توفيقه فيما هو من كسبهم فقال :
( قُلْ أَ غَيْرَ اللَّهِ أَتَّخِذُ وَلِيًّا ؟ )
أي قل لهم : لا أطلب من غيره نفعا ولا ضرا ، لا فعلا ولا منعا ، فيما هو فوق كسبه وتصرفه الذي منحه اللّه لأبناء جنسه ، أما تناصر المخلوقين وتولّى بعضهم بعضا فيما هو من كسبهم العادي ، فلا يدخل في عموم الإنكار الذي يفهم من الآية ، فقد أثنى اللّه على المؤمنين بأن بعضهم أولياء بعض . وقد كان المشركون من الوثنيين ومن طرأ عليهم الشرك من أهل الكتاب يتخذون معبوداتهم وأنبياءهم وصلحاءهم أولياء من دون اللّه ، يتوجهون إليهم بالدعاء ويستغيثون بهم ويستشفعون بهم عند اللّه في قضاء حاجاتهم من نصر على عدو وشفاء من مرض وسعة في رزق إلى نحو أولئك . وهذا بلا شك عبادة وشرك باللّه لاعتقادهم أن حصول المطلوب من غير أسبابه العادية قد كان بمجموع إرادة هؤلاء الأولياء وإرادة اللّه . ويلزم هذا أن إرادة اللّه ما تعلقت بفعل ذلك المطلب إلا تبعا لإرادة الولي الشافع أو المتّخذ وليا وشفيعا .
تفسير المراغي — صفحة 88 | أحمد مصطفى المراغي