تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 63

مساهمون:

ص٦٣
ثم انتقل من هذا إلى تبرئة نفسه العالمة بالحق عن قول ما ليس بحق فقال :
( ما يَكُونُ لِي أَنْ أَقُولَ ما لَيْسَ لِي بِحَقٍّ )
أي ليس من شأني ولا مما يصح أن يقع منى أن أقول قولا لا حق لي أن أقوله ، لأنك أيدتنى بالعصمة عن مثل هذا القول الباطل . وهو بتنزيهه اللّه أوّلا أثبت أن ذلك القول الذي نسب إليه قول لا شائبة فيه من الحق وليس من شأنه ولا مما يقع من مثله . وقد أكد هذا النفي مرة أخرى بحجة أخرى ارتقى فيها من برهان راجع إلى نفسه وهو عصمته عليه السلام إلى برهان أعلى راجع إلى ربه علام الغيوب فقال :
( إِنْ كُنْتُ قُلْتُهُ فَقَدْ عَلِمْتَهُ ، تَعْلَمُ ما فِي نَفْسِي وَلا أَعْلَمُ ما فِي نَفْسِكَ )
أي إن ذلك القول إن كان قد صدر منى فقد علمته ، إذ علمك واسع محيط بكل شئ ، فأنت تعلم ما أسره وأخفيه في نفسي فكيف لا تعلم ما أظهرته ودعوت إليه وعلمه منى غيرى ؟ كما أنى لا أعلم ما تخفيه من علومك الذاتية التي لا ترشدنى إليها بالكسب والاستدلال ، لكني أعلم ما تظهره لي بالوحي بواسطة ملائكتك المقربين إليك .
( إِنَّكَ أَنْتَ عَلَّامُ الْغُيُوبِ )
أي لأنك أنت المحيط بالعلوم الغيبية وحدك ، ما كان منها وما سيكون وما هو كائن ، وعلم غيرك مستمد من فيضك لا من ذاته ، فهو إما أن يناله بواسطة المشاعر والحواس أو العقل ، وإما أن يتلقاه هبة منك بالوحي والإلهام . وبعد تنزيه ربه وتبرئة نفسه وإقامة البراهين على ذلك - بين حقيقة ما قاله لقومه ، إذ الشهادة عليهم لا تكون تامة كاملة إلا بإثبات ما يجب أن يكونوا عليه من أمر التوحيد بعد نفى ضده ، فقال :
( ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ - أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ )
أي إني ما قلت لهم في شأن الإيمان وأساس الدين إلا ما أمرتني بالتزامه اعتقادا وتبليغا لهم ، بأنك ربى وربهم وأنني عبد من عبادك مثلهم إلا أنك خصصتني بالرسالة إليهم .
تفسير المراغي — صفحة 63 | أحمد مصطفى المراغي