تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 166

مساهمون:

ص١٦٦
( وَهُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ بِالْحَقِّ )
أي وهو الذي خلقهما خلقا متلبسا بالحق ، وهو أنه وفق سننه المطردة المشتملة على الحكم البالغة الدالة على وجوده ووحدانيته وقدرته البالغة ، ولم يخلقهما باطلا ولا عبثا فهو لا يترك الناس سدى ، بل يجزى كل نفس بما كسبت . ونحو الآية قوله في سورة آل عمران :
« رَبَّنا ما خَلَقْتَ هذا باطِلًا »
وقوله :
« وَما خَلَقْنَا السَّماءَ وَالْأَرْضَ وَما بَيْنَهُما لاعِبِينَ
.
ما خَلَقْناهُما إِلَّا بِالْحَقِّ »
.
( وَيَوْمَ يَقُولُ كُنْ فَيَكُونُ . قَوْلُهُ الْحَقُّ )
أي وقوله هو الحق الذي لا شك فيه يوم يقول للشئ كن فيكون وهو وقت إيجاد العالم وتكوينه ، فلا مردّ لأمره ولا تخلف لقضائه وحكمه ، ومن كان أمره التكويني مطاعا يكن أمره التكليفي كذلك واجب الطاعة بلا حرج في النفس ولا ضيق منه ، فالخلق حق والأمر حق
« أَلا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ »
( وَلَهُ الْمُلْكُ يَوْمَ يُنْفَخُ فِي الصُّورِ )
أي وله الملك يوم الحشر يوم يبعث من في القبور وينفخ في الصور ، والأمر حينئذ له وحده ، ولا تملك نفس لنفس شيئا من خير أو شر ، أو نفع أو ضر ، فكيف يرضى لنفسه من يعرف هذه الحقائق - أن يدعو سواه ، ويتخذ له إلها غير اللّه ، ويرد على عقبيه ، ويرجع إلى أسوإ حاليه . روى عن عبد اللّه بن عمر أن النبي صلى اللّه عليه وسلم سئل عن الصور فقال : « هو قرن ينفخ فيه » وروى عن ابن مسعود أنه قال : « الصور كهيئة القرن ينفخ فيه »
( عالِمُ الْغَيْبِ وَالشَّهادَةِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ )
قال الحسن : الشهادة ما قد رأيتم خلقه ، والغيب ما غاب عنكم مما لم تروه ، وقال ابن عباس : الغيب والشهادة السر والعلانية . والمعنى - إن الذي خلق السماوات والأرض وما بينهما بالحق ، والذي قوله الحق تكوينا وتكليفا ، والذي له الملك وحده يوم يحشر الخلائق - هو عالم الغيب والشهادة ، وهو الحكيم الذي يضع الأشياء مواضعها ، وهو الخبير بدقائقها وخفاياها ، ولا يشذ عن علمه شئ منها ، فلا ينبغي لعاقل أن يدعو غيره معه كما قال :
« فَلا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَداً »
وقال
« بَلْ إِيَّاهُ تَدْعُونَ فَيَكْشِفُ ما تَدْعُونَ إِلَيْهِ إِنْ شاءَ »
.