تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 165

مساهمون:

ص١٦٥
ثم ضرب مثلا يصور المرتد في أقبح حالة كانت تتخيلها العرب فقال :
( كَالَّذِي اسْتَهْوَتْهُ الشَّياطِينُ فِي الْأَرْضِ حَيْرانَ ، لَهُ أَصْحابٌ يَدْعُونَهُ إِلَى الْهُدَى ائْتِنا )
أي أنرد على أعقابنا فيكون مثلنا في ذلك مثل الرجل الذي استتبعه الشيطان يهوى في الأرض حيران تائها ؟ له أصحاب على المحجة واستقامة السبيل يدعونه إلى طريق الهدى الذي هم عليه ويقولون له ائتنا . وخلاصة المثل - إن من يرتد مشركا بعد الإيمان كمن جعله العشق أو الجنون هائما على وجهه ، ضالا في الفلوات حيران لا يهتدى ، تاركا رفاقه على الطريق المستقيم ينادونه : عد إلينا فلا يستجيب لهم لانجذابه وراء ما تراءى له بغير عقل ولا بصيرة ، قال صاحب الكشاف : وهذا مبنى على ما كانت تزعمه العرب وتعتقده من أن الجن تستهوى الإنسان والغيلان تستولى عليه كقوله :
« كَما يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطانُ مِنَ الْمَسِّ »
. ثم أمره أن يرغب المشركين فيما يدعو إليه لا فيما يدعونه إليه فقال :
( قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدى )
أي قل إن هدى اللّه الذي أنزل به آياته ، وأقام عليه حججه وبيناته ، هو الهدى الحق الذي لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه ، لا ما تدعون إليه من أهوائكم اتباعا لما ألفيتم عليه آباءكم .
( وَأُمِرْنا لِنُسْلِمَ لِرَبِّ الْعالَمِينَ )
أي وأمرنا بأن نسلم للّه رب العالمين فأسلمنا .
( وَأَنْ أَقِيمُوا الصَّلاةَ وَاتَّقُوهُ )
أي وأمرنا بالإسلام وبإقامة الصلاة والتقوى ؛ وإقامة الصلاة : الإتيان بها على الوجه الذي شرعت لأجله وهي أن تزكى النفس بمناجاة اللّه وذكره وتنهى عن الفحشاء والمنكر ، والتقوى : اتقاء ما يترتب على مخالفة دين اللّه وشرعه وتنكّب سننه في خلقه من ضرر وفساد .
( وَهُوَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ )
أي وهو الذي تجمعون وتساقون إلى لقائه يوم القيامة دون غيره ، فيحاسبكم على أعمالكم ويجازيكم عليها ، فليس من العقل . لا من الحكمة أن يعبد غيره أو يخاف ويرجى .