وحديثا ، وروى عن ابن عباس أن المراد بمن فوقكم أي من أمرائكم ، ومن تحت أرجلكم أي عبيدكم وسفلتكم .
ولا شك أن لفظ العذاب مبهم قصد به هذا الإبهام لأجل الشمول ، فيطلق على ما يدل عليه اللفظ مما يحدث في المستقبل أو ينكشف للناس فيه ما كان خفيا عنهم ، فالقرآن لا تفنى عجائبه ، وفيه نبأ من قبل ونبأ من كان في زمن التنزيل ونبأ من سيجيء بعدهم .
فهذه الآية ظهر تفسيرها بأجلى برهان في هذه الحروب في العصر الحديث مما لم يسبق له نظير ولم يكن البشر على علم منه ، فقد أرسل اللّه فيها على الأمم المحاربة عذابا من فوقها بما تقذفه الطائرات والمطاود وقاذفات القنابل التي تحمل كل منها الآلاف المؤلفة من المواد المتفجرة من الحديد والمعادن الأخرى المهلكة ، ومن المواد المحرقة ، وصارت تمشى آلاف الأميال لتصل إلى أهدافها المقصودة فتخرب المدن والقرى ، وتجعل عاليها سافلها ، بما تصب فيها من عل ، من الحمم المتّقدة والنيران المشتعلة ، حتى ليراها الرائي كأنها بركان ثائر يريد أن يبتلع من حوله ويلتهم جميع ما فوق سطح الأرض .
وكذلك مقذوفات المدافع البعيدة المدى التي تطلق قناطير من أفواهها وترسله من فوق من مواد قاتلة مما لم يعرف الناس له نظيرا من قبل . وكذلك يأتيها العذاب من تحتها بما تحدث السفن الغواصة في البحار بما ترسله من ( الطور بيد ) الحامل للقناطير المقنطرة من مختلف المعادن وتتحين به الفرص لمقابلة سفن العدو فتصبه عليها صبا . وتهلك به مختلف السفن ولا تقوى على النجاة منها مهما عظم حجمها ودقّ صنعها بل لا بد أن تهوى في قاع البحار إذا قدر لها أن تصاب به ، فكم من سفينة غرقت . وكم من روح زهق به وأصبح طعاما للسمك وحيوان البحر .
وكذلك جعل أمم أوروبا شيعا متعادية . وأذاق بعضها بأس بعض فحلّ بها من التقتيل والتخريب ما لو لم نره بأعيننا ونسمع عنه الأحاديث المستفيضة التي لا تقبل شكا ولا ريبا - لكنا في موضع الشك فيه ، لغرابته وشدة هوله وذهول الناس حين
تفسير المراغي — صفحة 154
مساهمون: أحمد مصطفى المراغي
ص١٥٤