تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 125

مساهمون:

ص١٢٥
( حَتَّى إِذا فَرِحُوا بِما أُوتُوا أَخَذْناهُمْ بَغْتَةً فَإِذا هُمْ مُبْلِسُونَ )
أي حتى إذا ظنوا أن الذي أوتوا إنما هو باستحقاقهم ولم يزدهم ذلك إلا بطر وغرورا ، أخذناهم بعذاب الاستئصال حال كونهم مبغوتين ، إذ فاجأهم على غرة من غير سبق أمارات ولا إمهال للاستعداد أو للهرب ، فإذا هم مبلسون أي يائسون من النجاة . وفي الآية إيماء إلى أن البأساء والضراء وما يقابلهما من السراء والنعماء مما يتهذب به من وفقهم اللّه للهداية وألهمهم الرشاد ، والاختبار أكبر شاهد على صدق هذه القضية فالشدائد مصلحة للفساد ، مهذّبة للنفوس ، والمؤمن أجدر الناس بالاستفادة من الحوادث . روى مسلم عن صهيب مرفوعا « عجبا لأمر المؤمن ، إن أمره كله له خير وليس ذلك لأحد إلا للمؤمن ، إن أصابته سراء شكر فكان خيرا له ، وإن أصابته ضرّا ، صبر فكان خيرا له » . و روى أحمد أن النبي صلى اللّه عليه وسلم قال : « إذا رأيت اللّه يعطى العبد من الدنيا على معاصيه ما يحبّ ، فإنما هو استدراج ثم تلا رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم - فلما نسوا ما ذكروا به » الآية وروى مالك عن الزهري أنه قال :
( فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ )
أي رخاء الدنيا وسترها وقال الحسن البصري : من وسع اللّه عليه فلم ير أنه يمكر به فلا رأى له ، ومن قتّر عليه فلم ير أنه ينظر له فلا رأى له ، ثم قرأ :
« فَلَمَّا نَسُوا ما ذُكِّرُوا بِهِ فَتَحْنا عَلَيْهِمْ أَبْوابَ كُلِّ شَيْءٍ »
الآية ثم قال : مكر بالقوم وربّ الكعبة . أعطوا حاجتهم ثم أخذوا .
( فَقُطِعَ دابِرُ الْقَوْمِ الَّذِينَ ظَلَمُوا )
أي فهلك أولئك القوم الذين ظلموا أنفسهم بتكذيب الرسل والإصرار على الشرك وأعماله واستؤصلوا فلم يبق منهم أحد .
( وَالْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعالَمِينَ )
أي والثناء الكامل والشكر التام للّه رب العالمين على إنعامه على رسله وأهل طاعته ، بإظهار حججهم على من خالفهم من أهل الكفر وتحقيق ما وعدهم به من إهلاك المشركين ، وإراحة الأرض من شركهم وظلمهم . وهذه الجملة إرشاد من اللّه لعباده المؤمنين بتذكيرهم بما يجب عليهم من حمده على