كان عليها مشركو قريش ، فقد حكى اللّه عنهم :
« ما نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونا إِلَى اللَّهِ زُلْفى »
- هؤلاء شفعاؤنا عند اللّه » .
والتوحيد الخالص هو الإيمان بأن اللّه يفعل ما يشاء ويختار ، وأن جميع الخلق مسخرون لإرادته وتدبيره ، خاضعون لسننه وتقديره ، لا يملك أحد منهم لنفسه ولا لغيره شيئا إلا في دائرة الأسباب التي شرعها لعباده ، وأن الوساطة بينه وبين عباده محصورة في تبليغ الرسول رسالته إليهم دون تصرفه فيهم وأن شفاعة الآخرة للّه وحده يأذن بها إن شاء لمن شاء ممن ارتضى ، يرشد إلى ذلك قوله تعالى لخاتم رسله :
« لَيْسَ لَكَ مِنَ الْأَمْرِ شَيْءٌ »
وقوله :
« قُلْ لا أَمْلِكُ لِنَفْسِي نَفْعاً وَلا ضَرًّا إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ »
وقوله :
« قُلْ إِنِّي لَنْ يُجِيرَنِي مِنَ اللَّهِ أَحَدٌ وَلَنْ أَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَداً . إِلَّا بَلاغاً مِنَ اللَّهِ وَرِسالاتِهِ »
.
وقد بين سبحانه أن تلك الوساطة الشّركيّة تنسى عند اشتداد الكروب والأهوال فقال :
« فَإِذا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ ، فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذا هُمْ يُشْرِكُونَ »
وقال :
« وَإِذا غَشِيَهُمْ مَوْجٌ كَالظُّلَلِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ فَمِنْهُمْ مُقْتَصِدٌ وَما يَجْحَدُ بِآياتِنا إِلَّا كُلُّ خَتَّارٍ كَفُورٍ »
.
ثم بين سبحانه أن من سننه أخذ عباده بالشدائد لعلهم يرعون عن غيهم ، ويثوبون إلى رشدهم فقال :
( وَلَقَدْ أَرْسَلْنا إِلى أُمَمٍ مِنْ قَبْلِكَ فَأَخَذْناهُمْ بِالْبَأْساءِ وَالضَّرَّاءِ لَعَلَّهُمْ يَتَضَرَّعُونَ )
أي ولقد أرسلنا رسلا إلى أمم من قبلك فدعوهم إلى توحيدنا وعبادتنا فلم يستجيبوا لهم فأخذناهم أخذ ابتلاء واختبار بالبأساء والضراء ليكون ذلك مفيدا لهم ، لأن سنتنا قد جرت بأنهم في مثل هذه الحال يتضرعون ويجأرون بالدعاء إلى ربهم ، فالشدائد تربّى النفوس وتهذب الأخلاق ، فترجع المغرورين عن غرورهم ، وتكفّ الفجار عن فجورهم