تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 93

مساهمون:

ص٩٣
شيئا ، فأكدوا لموسى أنهم لا يدخلون هذه الأرض مدى حياتهم ما دام فيها الجبارون ، لأنهم لا طاقة لهم بالحرب والقتال ، إذ ليسوا من أهله ، فإن صحت عزيمتك على ذلك فاذهب أنت وربك الذي أمرك بذلك فقاتلا الجبارين وأخرجاهم من هذه الأرض وإنا هاهنا قاعدون منتظرون . وهذا القول الذي صدر منهم بدل على منتهى الجفاء والبعد عن الأدب ، وليس هذا بالغريب من أمثال هؤلاء الذين عبدوا العجل وكان دأبهم الشّغب مع أنبيائهم وقتلوا كثيرا منهم كإشعيا وزكريا ، وقص القرآن كثيرا من فساد طباعهم وقسوتهم وغلظتهم .
( قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي )
أي قال موسى باثا شكواه إلى ربه ، معتذرا من فسق قومه عن أمره الذي يبلّغه عنه - إني لا أملك أمر أحد أحمله على طاعتك إلا أمر نفسي وأمر أخي ولا أثق بغيرنا أن يطيعك في اليسر والعسر والمنشط والمكره ( المحبوب والمكروه ) . وفي هذا إيماء إلى أنه لم يكن موقنا بثبات يوشع وكالب ورغبتهما في الطاعة إذا أمر اللّه بدخول أرض الجبارين والتصدّى لقتالهم ، فإن من يجرؤ على القتال مع الجيش الكبير فربما لا يجرؤ عليه مع العدد القليل ، فلما رأى من بلائه معه في مقاومة فرعون وقومه ، ولسياسة أمور بني إسرائيل عند مناجاة ربه ، ولما يعلم من تأييد اللّه له بمثل ما أيده به
( فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ )
الفرق : الفصل بين الشيئين أو الأشياء أي فافصل بيننا ( يريد نفسه وأخاه ) وبين القوم الفاسقين عن طاعتك بقضاء تقضيه بيننا ، فتحكم لنا بما نستحق ، وعليهم بما يستحقون ، فقد صرنا خصما لهم وصاروا خصما لنا ، وقيل إن المعنى : إنك إذا أخذتهم بالعقاب على قسوتهم فلا تعاقبنا معهم في الدنيا .
( قالَ فَإِنَّها مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ أَرْبَعِينَ سَنَةً يَتِيهُونَ فِي الْأَرْضِ )
التيه : الحيرة ، يقال تاه يتيه : إذا تحيّر ومفازة تيهاء إذا تحير فيها سالكها لعدم الأعلام التي يهتدى بها ،