تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 92

مساهمون:

ص٩٢
الضعف والذل واضطهاد المصريين لهم وظلمهم إياهم ، أبوا وتمردوا واعتذروا بضعفهم وقوة أهل تلك البلاد وحاولوا الرجوع إلى مصر وقالوا لموسى : إنا لن ندخل هذه الأرض ما دام هؤلاء الجبارون فيها ، وقولهم
( فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ )
تأكيد لما فهم مما قبله مشعر بأنه لا علة لامتناعهم إلا ما ذكروه . وفي إجابتهم هذه دليل على منتهى الضعف وحور العزيمة ، وعلى أنهم لا يريدون أن يأخذوا شيئا باستعمال قواهم البدنية ولا العقلية ، ولا أن يدفعوا الشر عن أنفسهم ولا أن يجلبوا لها الخير ، بل يريدون أن يعيشوا بالخوارق والآيات ما داموا في هذه الحياة ولا شك أن أمة كهذه لا تستحق أن تتمتع بنعيم الاستقلال ، وتحيا حياة العز والكرامة ، وتكون ذات تصرف مطلق في شؤونها ، ومن ثمّ لم تفم لها دولة بعد
« وَلا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً »
.
( قالَ رَجُلانِ مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمَا )
قوله : يخافون أي يخافون اللّه تعالى ، وقوله : أنعم اللّه عليهما أي بالطاعة والتوفيق لما يرضيه ، حتى في حال الخوف والذّعر ، والتوراة وتبعها المفسرون قاطبة على أن الرجلين هما يوشع بن نون وكالب بن يفنة ، وأنهما كانا يحثّان القوم على الطاعة ودخول أرض الجبارين ، ثقة بوعد اللّه بالنصر وتأييده إياهم .
( ادْخُلُوا عَلَيْهِمُ الْبابَ فَإِذا دَخَلْتُمُوهُ فَإِنَّكُمْ غالِبُونَ . وَعَلَى اللَّهِ فَتَوَكَّلُوا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ )
أي ادخلوا عليهم باب المدينة فإذا فعلتم ذلك نصركم اللّه وأيدكم بروح من عنده ، بعد أن تعملوا ما في طاقتكم من طاعة ربكم وتثقوا به فيما لا يصل إليه كسبكم ، إن كنتم مؤمنين بأن وعد اللّه حق ، وأنه قادر على الوفاء به ، وإنما جزم هذان الرجلان بأنهم سيغلبون إذا دخلوا ، ثقة بنبوّة موسى ، وهو قد أخبرهم بأن اللّه أمرهم بدخول الأرض المقدسة التي كتبها لهم ، لا جرم قطعا بالنصر والغلبة على العدو .
( قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً ما دامُوا فِيها فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ )
أي إنهم أصروا على العناد والتمرد ، ولم تغن عنهم عظات الرجلين
تفسير المراغي — صفحة 92 | أحمد مصطفى المراغي