تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 24

مساهمون:

ص٢٤
ينزل عليهم كتابا من السماء يثبت دعواه ، ويكون شاهدا له ، فكأنه تعالى يقول لرسوله صلى اللّه عليه وسلم : إنهم مع وضوح نبوتك لا يشهدون بما أنزل إليك ، لكن اللّه يشهد به . ثم أكد هذه الشهادة فقال :
( أَنْزَلَهُ بِعِلْمِهِ )
أي فإنه أنزله بعلمه الخاص الذي لم تكن تعلمه أنت ولا قومك بتأليفه على نظم وأسلوب يعجز عنه كل بليغ وصاحب بيان ، وبما فيه من العلوم الإلهية والأدبية والسياسية والاجتماعية ، ومن علوم الأنبياء والرسل والأمم ، وبما له من السلطان على الأرواح بهدايته ، وبما فيه من أنباء الغيب عن الماضي والحاضر والمستقبل وهو بهذه المزايا مثبت لشهادة اللّه به وأنه وحي من عنده . والخلاصة - كأن اللّه تعالى يقول لنبيه إن جحود هؤلاء اليهود وعدم شهادتهم لك لا يضرك بشيء ، فاللّه يشهد بما أنزل إليك من الوحي وأنت على يقين منه ، وقد أيد اللّه شهادته لك بما أودعه فيه مما عجز عنه البشر فكان بذلك مثبتا لكونه أنزل عليك من لدنه ، كما أيده بتصديق ما أنزله فيه من الوعد بالفلاح والنصر لمن اتبعك والوعيد لمن عاداك بالخذلان والخسران .
( وَالْمَلائِكَةُ يَشْهَدُونَ )
أي والملائكة يشهدون بذلك أيضا ، لأن الذي نزل به إليك هو الروح الأمين ، وهو منهم كما يؤيدك بجند منهم يثبّتونك ويثبّتون المؤمنين في القتال كما في غزوة بدر ، قال تعالى :
« إِذْ يُوحِي رَبُّكَ إِلَى الْمَلائِكَةِ أَنِّي مَعَكُمْ فَثَبِّتُوا الَّذِينَ آمَنُوا سَأُلْقِي فِي قُلُوبِ الَّذِينَ كَفَرُوا الرُّعْبَ »
.
( وَكَفى بِاللَّهِ شَهِيداً )
على ما شهد به لك ، حيث نصب الدليل ، وأوضح السبيل ، فشهادته أصدق ، وقوله الحق
« قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهادَةً ؟ قُلِ : اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَأُوحِيَ إِلَيَّ هذَا الْقُرْآنُ لِأُنْذِرَكُمْ بِهِ وَمَنْ بَلَغَ »
.

[ سورة النساء ( 4 ) : الآيات 167 إلى 170 ]

إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَصَدُّوا عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ قَدْ ضَلُّوا ضَلالاً بَعِيداً ( 167 ) إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا وَظَلَمُوا لَمْ يَكُنِ اللَّهُ لِيَغْفِرَ لَهُمْ وَلا لِيَهْدِيَهُمْ طَرِيقاً ( 168 ) إِلاَّ طَرِيقَ جَهَنَّمَ خالِدِينَ فِيها أَبَداً وَكانَ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيراً ( 169 ) يا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جاءَكُمُ الرَّسُولُ بِالْحَقِّ مِنْ رَبِّكُمْ فَآمِنُوا خَيْراً لَكُمْ وَإِنْ تَكْفُرُوا فَإِنَّ لِلَّهِ ما فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَكانَ اللَّهُ عَلِيماً حَكِيماً ( 170 )