تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 149

مساهمون:

ص١٤٩
( أُولئِكَ شَرٌّ مَكاناً وَأَضَلُّ عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ )
أي إن أولئك الذين اتصفوا بما ذكر من المخازي وشنيع الأمور شر مكانا ، إذ لامكان لهم في الآخرة إلا النار ، وهم أضل عن قصد سواء الطريق ووسطه الذي لا إفراط فيه ولا تفريط . ومثل هؤلاء لا يحملهم على الاستهزاء بدين المسلمين وبصلاتهم وأذانهم إلا الجهل وعمى البصيرة . ثم بين حال المنافقين منهم فقال :
( وَإِذا جاؤُكُمْ قالُوا آمَنَّا وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ )
أي وإذا جاءكم المنافقون من اليهود قالوا للرسول ولكم إننا آمنا بالرسول وما أنزل عليه ، وحالهم الواقعة منهم أنهم دخلوا عليكم وهم مقيمون على الكفر والضلال وخرجوا وهم كذلك ، فحالهم عند خروجهم كحالهم عند دخولهم لم يتحولوا عن كفرهم بالرسول وما نزل من الحق ؟ ولكنهم قوم دأبهم الخداع والنفاق كما جاء في سورة البقرة :
« وَإِذا لَقُوا الَّذِينَ آمَنُوا قالُوا آمَنَّا وَإِذا خَلا بَعْضُهُمْ إِلى بَعْضٍ قالُوا أَ تُحَدِّثُونَهُمْ بِما فَتَحَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ؟ »
الآية .
( وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ )
حين دخولهم من قصد تسقّط الأخبار والتوسل إلى ذلك بالنفاق والخداع ، وحين خروجهم من الكيد والمكر والكذب الذي يلقونه إلى البعداء من قومهم كما علمت مما سلف عند قوله
( سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ )
. وفي قوله : وهم قد خرجوا به تأكيد لكونهم حين الخروج كما هم حين الدخول ، واحتيج إليه لمجيئه على خلاف المعروف ، لأن من كان يجالس الرسول صلى اللّه عليه وسلم وأصحابه يسمع منه العلم والحكمة ، ويرى من أحاسن أخلاقه ما يؤثّر في القلوب ويلين قاسيها - يرجع عن سوء عقيدته ، وتصفو نفسه من كدورتها إلا إذا كان متعنتا مخادعا ، فإن الذكرى لا تنفعه ، والعظات والزواجر لا تؤثر فيه . وقد كان الرجل يجئ إلى النبي صلى اللّه عليه وسلم يريد قتله حتى إذا رآه وسمع كلامه انجابت عن قلبه ظلمات الكفر والفسوق وآمن به وأحبه ، وما شذّ هؤلاء