تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 131

مساهمون:

ص١٣١
( وَلكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي ما آتاكُمْ )
أي ولكن لم يشأ ذلك ، بل شاء أن يجعلكم نوعا ذا عقل وفكر واستعداد للفهم والعلم ، يرتقى في أطوار الحياة بالتدريج ويخضع لسنة الارتقاء ، فلا تصلح له شريعة واحدة في كل أطواره وفي سائر جماعاته ، فكانت الشرائع في أطوار الطفولة من نوع يغلب عليه المادة ، وفي طور التمييز تغلب عليه العواطف والوجدانات النفسية ، وفي طور الرشد واستقلال العقل ختمت الشرائع والمناهج بالدين المحمدي المبنى على فتح باب الاجتهاد الفكري وجعل أمره شورى في القضاء والسياسة وأصول الاجتماع بين أولى العلم والرأي . والخلاصة - إنه سبحانه عاملنا معاملة المختبر لاستعدادنا فيما آتانا من المناهج والشرائع لتظهر حكمته في تمييز نوعنا عن غيره من الأنواع التي تدب على وجه البسيطة ، بأن جمع لنا بين الحيوانية والملكية . وإنك لو نظرت إلى سالف الشرائع ترى الشريعة اليهودية مبنية على الشدة ، وليس لأهلها فيها رأى ولا اجتهاد إذ هي نزلت لقوم ألفوا الذل والاستعباد ، فوجب أخذهم بالشدة والصرامة ، وترى الشريعة النصرانية تأمر أهلها بأن يسلموا أمورهم للمتغلبين عليهم من أهل السلطة والحكم ويقبلوا كل ما يسامون به من ذل وخسف ويجعلوا عنايتهم بالأمور الروحية وتربية الوجدانات النفسية ، وترى الديانة الإسلامية قائمة على أساس الاستقلال والعقل جامعة بين مصالح الروح والجسد
« كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ »
ولا يليق ذلك إلا بأمة بلغت سن الرشد العقلي والارتقاء الفكري ، ومن ثم كانت أحكامها الدنيوية قليلة في كتابها ، وفوض الأمر فيها إلى الاجتهاد ، إذ الراشد يفوض أمره إلى نفسه ، ومن ثم صارت صالحة لكل زمان ومكان ، إذ مدارها على الاجتهاد وطاعة أولي الأمر ، فمنع الاجتهاد فيها يبطل مزيتها ويجعلها لا تصلح لجميع الأزمان ولا لجميع الأمكنة ، إذ أنك تعلم أن للزمان والمكان والأحوال من التشريع ما يوافقه ، انظر إلى الإمام الشافعي تجد أنه حين كان بالعراق وضع أسسا للتشريع والأحكام ( المذهب القديم ) فلما انتقل إلى مصر ورأى عادات أهلها وأطوارهم