تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 130

مساهمون:

ص١٣٠
( لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهاجاً )
أي لكل أمة منكم أيها الناس جعلنا شريعة أوجبنا عليهم إقامة أحكامها ، ومنهاجا وطريقا فرضنا عليهم سلوكه لتزكية أنفسهم وإصلاح سرائرهم من قبل أن الشرائع العملية تختلف باختلاف أحوال الاجتماع وطبائع البشر واستعداداتهم وإن اتفق الرسل جميعا في أصل الدين ، وهو توحيد اللّه والإخلاص له في السر والعلن وإسلام الوجه له . روى عن قتادة أنه قال في تفسيرها : أي سبيلا وسنة ، والسنن مختلفة ، للتوراة شريعة ، وللإنجيل شريعة ، وللقرآن شريعة ، يحل اللّه فيها ما يشاء ، ويحرم ما يشاء ، كي يعلم من يطيعه ممن يعصيه ، ولكن الدين الذي لا يقبل غيره هو التوحيد والإخلاص الذي جاءت به الرسل ؛ وروى عنه أنه قال : الدين واحد والشريعة مختلفة . ومن هذا يفهم أن الشريعة هي الأحكام العملية التي تختلف باختلاف الرسل وينسخ اللاحق منها السابق وأن الدين هو الأصول الثابتة التي لا تختلف باختلاف الأنبياء . وهذا هو العرف الجاري الآن إذ يخصون الشريعة بما يتعلق بالقضاء وما يتخاصم فيه إلى الحكام . والخلاصة - إن الشريعة اسم للأحكام العملية ، وإنها أخص من كلمة ( الدين ) وتدخل في مسمى الدين من جهة أن العامل بها يدين للّه تعالى بعمله . ويخضع له ويتوجه إليه ، مبتغيا مرضاته وثوابه بإذنه .
( وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً )
أي ولو شاء تعالى أن يجعلكم أمة واحدة ذات شريعة واحدة ومنهاج واحد تسيرون عليه وتعملون به ، بأن يخلقكم على استعداد واحد ، وأخلاق واحدة ، وطور واحد في معيشتكم ، فتصلح لكم شريعة واحدة في كل الأزمان ، فتكونون كسائر أنواع المخلوقات التي يقف استعدادها عند مستوى معين كالطير أو كالنحل - لفعل ذلك إذ هو داخل تحت قدرته تعالى لا يستعصى عليه .