تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 100

مساهمون:

ص١٠٠
أو يحمل الظالم من آثام المظلوم وأوزاره ما يوازى ذلك إن كان له آثام وأوزار ، وما نقص من هذا أو ذاك يستعاض عنه بما يوازيه من الجزاء في الجنة أو النار .
( فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ )
أي فتكون بما حملت من الإثمين من أهل النار في الآخرة جزاء ظلمك ، والنار جزاء كل ظالم . وقد سلك في عظته وجوها تأخذ بمجامع اللب ، ويرعوى لها فؤاد المنصف ، فقد تبرأ من كونه سببا في حرمانه من تقبل القربان ، لأن سبب التقبل عند اللّه هو التقوى . ثم انتقل إلى تذكيره بما يجب من خوف اللّه ، ثم إلى تذكيره بأن المعتدى يحمل إثم نفسه وإثم من اعتدى عليه ، ثم إلى تذكيره بعذاب النار لأنها مثوى الظالمين . ثم أبان سبحانه أن المواعظ لم تجد فيه فتيلا ولا قطميرا ، فما ذا تغنى الزواجر والعظات في نفس الحاسد الظالم ؟ فقال :
( فَطَوَّعَتْ لَهُ نَفْسُهُ قَتْلَ أَخِيهِ فَقَتَلَهُ )
أي إنه كان يهاب قتل أخيه وتجبن فطرته دونه ، وما زالت نفسه الأمارة تشجعه عليه حتى تجرأ وقتله عقب التطويع بلا تفكر ولا تدبر في العاقبة ، والمشاهد بالاختبار من أعمال الناس أن من تحدثه نفسه بالقتل يجد من نفسه صارفا أو عدة صوارف تنهاه عن القتل حتى تطوع له نفسه القتل بترجيح الفعل على الترك ، فحينئذ يقتل إن قدر .
( فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ )
أي من الذين خسروا أنفسهم في الدنيا والآخرة ، فهو في الدنيا قد قتل أبر الناس به وهو الأخ التقى الصالح ، وخسر لآخرة لأنه لم يصر أهلا لنعيمها الذي أعد للمتقين . ثم بين أن الإنسان قد يستفيد من تجارب سواه فقال :
( فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ )
لما كان الإنسان في أعماله موكولا إلى كسبه واختياره ، وكان هذا القتل أول قتل وقع من بني آدم - لم يعرف القاتل كيف يوارى حثه أخيه مقتول الذي يسوؤه أن يراها
تفسير المراغي — صفحة 100 | أحمد مصطفى المراغي