أخرج ابن المنذر عن أبي مجلز قال : لما نزل قوله تعالى
« قُلْ يا عِبادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلى أَنْفُسِهِمْ لا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعاً إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ »
قام النبي صلى اللّه عليه وسلم على المنبر فتلاها على الناس ، فقام إليه رجل فقال :
والشرك باللّه ، فسكت ، ثم قام إليه فقال يا رسول اللّه والشرك باللّه تعالى فسكت مرتين أو ثلاثا فنزلت هذه الآية .
الإيضاح
( إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ )
الشرك باللّه ضربان :
1 ) شرك في الألوهية ، وهو الشعور بسلطة وراء الأسباب والسنن الكونية لغير اللّه تعالى .
2 ) شرك في الربوبية ، وهو الأخذ بشيء من أحكام الدين بالتحليل والتحريم عن بعض البشر دون الوحي ، وهذا ما أشار إليه الكتاب الكريم بقوله
« اتَّخَذُوا أَحْبارَهُمْ وَرُهْبانَهُمْ أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ »
وقد فسر النبي صلى اللّه عليه وسلم اتخاذهم أربابا بطاعتهم واتباعهم في أحكام الحلال والحرام .
وقد سرى الشرك في الألوهية والربوبية إلى بعض المسلمين منذ قرون كثيرة .
وفي الآية إيماء إلى تسمية أهل الكتاب بالمشركين ، وكأنه يقول لهم : لا يغرّنكم انتماؤكم إلى الكتب والأنبياء ، وقد هدمتم أساس الدين بالشرك الذي لا يغفره اللّه بحال .
والحكمة في عدم مغفرة الشرك أن الدين إنما شرع لتزكية النفوس وتطهير الأرواح وترقية العقول ، والشرك ينافي كل هذا ، لأنه منتهى ما تهبط إليه العقول ، ومنه تتولد سائر الرذائل التي تفسد الأفراد والجماعات ، فبه يرفعون من دونهم أو من هم مثلهم إلى مرتبة التقديس والخضوع لهم ، باعتبار أن السلطة العليا بأيديهم ، وأن إرضاءهم وطاعتهم هو إرضاء للّه وطاعة له .