تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 55

مساهمون:

ص٥٥
الأعين في قوله
« وَلَوْ نَشاءُ لَطَمَسْنا عَلى أَعْيُنِهِمْ »
إما إزالة نورها وإما محو حدقتها ، والوجه تارة يراد به الوجه المعروف ، وتارة وجه النفس وهو ما تتوجه إليه من المقاصد كما قال تعالى
« أَسْلَمْتُ وَجْهِيَ لِلَّهِ »
وقال
« وَمَنْ يُسْلِمْ وَجْهَهُ إِلَى اللَّهِ »
وقال
« فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفاً »
والأدبار واحدها دبر ، وهو الخلف والقفا ، والارتداد : هو الرجوع إلى الوراء ، إما في الحسيات وإما في المعاني ، ومن الأول الارتداد والفرار في القتال ، ومن الثاني قوله
« إِنَّ الَّذِينَ ارْتَدُّوا عَلى أَدْبارِهِمْ مِنْ بَعْدِ ما تَبَيَّنَ لَهُمُ الْهُدَى الشَّيْطانُ سَوَّلَ لَهُمْ وَأَمْلى لَهُمْ »
ونلعنهم : نهلكهم ، كما لعنا أصحاب السبت ، أي كما أهلكنا أصحاب السبت ، وقيل مسخهم اللّه وجعلهم قردة وخنازير كما أخرجه ابن جرير عن الحسن .

المعنى الجملي

بعد أن نعى على أهل الكتاب في الآية السالفة اشتراءهم الضلالة بالهدى بتحريفهم بعض الكتاب وإضاعة بعضه الآخر - ألزمهم هنا بالعمل بما عرفوا وحفظوا بأن يؤمنوا بالقرآن ، ذلك أن إيمانهم بالتوراة يستدعى الإيمان بما يصدّقها ، وحذّرهم من مخالفة ذلك ، وتوعدهم بالويل والثبور ، وعظائم الأمور .

الإيضاح

( يا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ آمِنُوا بِما نَزَّلْنا مُصَدِّقاً لِما مَعَكُمْ )
أي أيها اليهود والنصارى آمنوا بالكتاب الذي جاء مصدقا لما معكم ، من تقرير التوحيد والابتعاد عن الشرك ، وما يقوّى ذلك الإيمان من ترك الفواحش ما ظهر منها وما بطن ، وتلك هي أصول الدين وأركانه ، والمقصد الأسمى من إرسال جميع الرسل ، ولا خلاف بينهم في ذلك ، وإنما الخلاف في التفاصيل وطرق حمل الناس عليها ، وهدايتهم بها ، وترقيتهم في معارج الفلاح بحسب السنن التي وضعها اللّه في ارتقاء البشر ، بتعاقب الأجيال ، واختلاف الأزمان .