انظر إلى الحكومات المختلفة المتعاقبة تجد أن رائدها العدل ، ولكن الوسائل الموصلة إليه تختلف باختلاف الأمم والبيئة والزمان والمكان ، فتغيير الحاكم الجديد لبعض ما كان عليه من قبله ليس ببدع ولا مستنكر إذا كان مقصده إقامة ميزان العدل فيما بين الناس ، وحينئذ يسمى مصدقا لما قبله ، لا مكذبا ولا مخالفا .
والقرآن قرر نبوة داود وسليمان وموسى وعيسى عليهم الصلاة والسلام فيما جاءوا به ووبّخ المدعين اتباعهم على إضاعتهم بعض ما جاءوا به وتحريف بعضه الآخر ، وعلى عدم الاهتداء والعمل بما هو محفوظ عندهم ، حتى إن أكثرهم هدموا الأسس التي جاء بها الأنبياء ، ومن أعظمها التوحيد ، فاتخذوا أحبارهم ورهبانهم أربابا من دون اللّه والمسيح ابن مريم ، وما أمروا إلا ليعبدوا إلها واحدا .
( مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّها عَلى أَدْبارِها )
أي آمنوا قبل أن يحل بكم العقاب من طمس الوجوه والرد على الأدبار : أي من قبل أن نطمس وجوه مقاصدكم التي توجهتم بها من كيد الإسلام ، ونردها خاسرة إلى الوراء بإظهار الإسلام ونصره عليكم ، وقد كان لهم عند نزول الآية شئ من المكانة والقوة والعلم والمعرفة .
وجعل بعضهم الرد على الأدبار حسيا فقال : نردهم على أدبارهم بالجلاء إلى فلسطين والشام ، وهي بلادهم التي جاءوا منها .
وخلاصة المعنى - آمنوا قبل أن نعمّى عليكم السبيل بما نبصّر المؤمنين بشئونكم ونغريهم بكم ، فتردّوا على أدباركم بأن يكون سعيكم إلى غير الخير لكم .
( أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَما لَعَنَّا أَصْحابَ السَّبْتِ )
أي آمنوا قبل أن تقعوا في الخيبة والخذلان وذهاب العزة باستيلاء المؤمنين عليكم وإجلائكم من دياركم كما حدث لطائفة منكم ، أو بالهلاك كما وقع بقتل طائفة أخرى وهلاكها .
ثم هددهم وتوعدهم فقال :
( وَكانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا )
المراد من الأمر الأمر التكوينىّ المعبر عنه بقوله عزّ من قائل
« إِنَّما أَمْرُهُ إِذا أَرادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ »
أي إنما أمره بإيقاع شئ ما