تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 101

مساهمون:

ص١٠١
ذاك أن المؤمن يحب أن يكون أعز الناس نفسا وأعظمهم كرامة ، فلا يرضى أن يستعبده سلطان ظالم ولا حاكم مستعبد ، إذ هو يعلم علم اليقين أن الكل عبيد مسخرون للّه تعالى يخضعون لأمره ، وأن ذلك منتهى سعادتهم في الدارين .
( وَمَنْ تَوَلَّى فَما أَرْسَلْناكَ عَلَيْهِمْ حَفِيظاً )
أي ومن أعرض عن طاعتك التي هي طاعة اللّه فليس لك أن تكرهه عليها ، لأنك ما أرسلت إلا مبشرا ونذيرا ولم ترسل مسيطرا أو رقيبا تحفظ على الناس أفعالهم وأقوالهم ، فالإيمان والطاعة إنما يكونان بالاختيار بعد الإقناع والاختبار .
( وَيَقُولُونَ طاعَةٌ )
أي ويقول ذلك الفريق الذين أخبر اللّه عنهم أنهم يخشون الناس كخشية اللّه أو أشد خشية ، إذا أمرهم النبي صلى اللّه عليه وسلم بأمر : أمرك طاعة - أي أمرك مطاع ، إظهارا لكمال الانقياد والخضوع .
( فَإِذا بَرَزُوا مِنْ عِنْدِكَ بَيَّتَ طائِفَةٌ مِنْهُمْ غَيْرَ الَّذِي تَقُولُ )
البراز - بفتح الباء - الأرض الفضاء ، والتبييت ما يدبر في الليل من رأى ونية وعزم على عمل ، ومنه تبييت العدو للإيقاع به ليلا ، أي إذا خرجوا من المكان الذي يكونون معك فيه إلى البراز وهم منصرفون إلى بيوتهم ، دبر جماعة منهم ليلا غير الذي قالوا لك وأظهروه من الطاعة نهارا . روى ابن جرير عن ابن عباس أنه قال : هم ناس يقولون عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم : آمنا باللّه ورسوله ليأمنوا على دمائهم وأموالهم ، وإذا برزوا من عند رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم خالفوا إلى غير ما قالوا عنده فعاتبهم اللّه على ذلك .
( وَاللَّهُ يَكْتُبُ ما يُبَيِّتُونَ )
أي يبينه لك في كتابه ويفضحهم بمثل هذه الآيات ، وفي هذا من التهديد الشيء الكثير .
( فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ )
ولا تهتمّ بما يبيتون ولا تؤاخذهم بما أسروا ولم يعلنوا .
( وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ )
أي فوّض الأمر إليه ، وثق به في جميع أمورك ، فإن اللّه يكفيك شرهم وينتقم لك منهم .
تفسير المراغي — صفحة 101 | أحمد مصطفى المراغي