تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 71

مساهمون:

ص٧١
ولو جاد المسلمون بأموالهم عند الحاجة إلى البذل لكان لنا شأن آخر بين أرباب الديانات الأخرى ، ولكنا من ذوى العزة والمكانة بينها . ولكنا صرنا إلى ما ترى ، عسى اللّه أن يغير من نفوس المسلمين ، ويرشدهم إلى ما فيه صلاحهم باتباع أوامر كتابهم ، واجتناب نواهيه ، ففي ذلك السعادة لهم في الدنيا والأخرى . ( 2 )
( وَالْكاظِمِينَ الْغَيْظَ )
أي والممسكين عليه الكافّين عن إمضائه مع القدرة عليه ، ومن أجاب داعى الغيظ وتوجه بعزيمة إلى الانتقام لا يقف عند حد الاعتدال ، ولا يكتفى بالحق ، بل يتجاوزه إلى البغي ، ومن ثم كان من التقوى كظمه ، وقد أثر عن عائشة رضى اللّه عنها أن خادما لها غاظها فقالت : للّه درّ التقوى ، ما تركت لذي غيظ شفاء . و قال عليه الصلاة والسلام « ما من جرعتين أحبّ إلى اللّه من جرعة موجعة يجرعها صاحبها بصبر وحسن عزاء ، ومن جرعة غيظ كظمها » و قال « ليس الشديد بالصّرعة لكنه الذي يملك نفسه عند الغضب » . وخلاصة ذلك - هم الذين يكظمون غيظهم عن الإمضاء والنفاذ ، ويردونه في أجوافهم ، وهذا كقوله في الآية الأخرى
« وَإِذا ما غَضِبُوا هُمْ يَغْفِرُونَ »
. ( 3 )
( وَالْعافِينَ عَنِ النَّاسِ )
أي والذين يتجاوزون عن ذنوب الناس ويتركون مؤاخذتهم مع القدرة على ذلك ، وتلك منزلة من ضبط النفس وملك زمامها قلّ من يصل إليها ، وهي أرقى من كظم الغيظ ، إذ ربما كظم المرء غيظه على الحقد والضغينة . أخرج الطبراني عن أبىّ بن كعب أن رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم قال : « من سره أن يشرف له البنيان ، وترفع له الدرجات ، فليعف عمن ظلمه ، ويعط من حرمه ، ويصل من قطعه » . وفي الآية إيماء إلى حسن موقع عفوه عليه الصلاة والسلام عن الرماة ، وترك مؤاخذتهم بما فعلوا من مخالفة أمره ، وإرشاد له إلى ترك ما عزم عليه من مجازاة المشركين
تفسير المراغي — صفحة 71 | أحمد مصطفى المراغي