تخطي إلى المحتوى الرئيسي

تفسير المراغي — صفحة 70

مساهمون:

ص٧٠
وقد أرشدنا هدى الدين إلى أن النفوس يجب أن تكون كريمة في ذاتها مهما ألحّ عليها الفقر وأن تتعود الإحسان بقدر الطاقة لتسمو عن الرذائل التي قد تجرها إليها الحاجة ، فتبعد بقدر الإمكان عن ذل السؤال ، ومدّ الأيدي إلى الناس ، لطلب الإحسان ، وإراقة ماء الوجه أمام بيوت الأغنياء ، لما في ذلك من الذلة والصغار وهي ما لا يرضاها مؤمن لنفسه يعتقد أن الأرزاق في قبضة اللّه وهو الذي يعطى ويمنع ، وقد جعل لكسب المال أوجها كثيرة يستطيع المرء أن يسعى إليها ليحصل عليه ، وقد وردت أحاديث كثيرة في الحض على اكتساب المال من كل طريق حلال ، والبعد عن ذل السؤال . إلا أن بذل القليل من الأفراد والجماعات إذا اجتمع صار كثيرا ، ومن ثم كانت الأمم الراقية تقيم مشروعاتها النافعة للأمة في الزراعة أو الصناعة أو في بناء الملاجئ والمستشفيات بالتبرعات القليلة التي تؤخذ من أفرادها ، وبذا تقدمت في سائر فنون المدنية والحضارة . ولذا حث اللّه على بذل الخير ولو قليلا بقوله :
« لِيُنْفِقْ ذُو سَعَةٍ مِنْ سَعَتِهِ ، وَمَنْ قُدِرَ عَلَيْهِ رِزْقُهُ فَلْيُنْفِقْ مِمَّا آتاهُ اللَّهُ ، لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْساً إِلَّا ما آتاها ، سَيَجْعَلُ اللَّهُ بَعْدَ عُسْرٍ يُسْراً »
. ومن هذا ترى أن اللّه جعل من أهم علامات التقوى بذل المال ، كما أن الشح به علامة عدم التقوى ، والتقوى هي السبيل الموصل إلى الجنة . فانظر إلى أهل الثراء الذين يقبضون أيديهم عن بذل المعونة للأفراد والجماعات ويكنزون في صناديقهم القناطير المقنطرة من الذهب والفضة ، هل تغنيهم صلاتهم وصومهم شيئا مع هذا الشح البادي على وجوههم ؟ فما هي إلا حركات وأعمال ، مرنوا عليها دون أن يكون لها الأثر الناجع في نفوسهم ، إذ الصلاة التي يقبلها اللّه ، والصوم الذي يرضاه اللّه ، هو ما ينهى عن الفحشاء والمنكر ، وأىّ منكر أشد من الضنّ بالمال حين الحاجة إليه لنفع أمة أو فرد .
تفسير المراغي — صفحة 70 | أحمد مصطفى المراغي